الحل السياسي وفق القرارات الأممية

مراجعات ضرورية للخروج من حالة الاستعصاء (الجزء الأول)

“وحدة الدراسات في لجنة مؤتمر القاهرة”

بعد خمسة عشر شهرا من انطلاقة الحراك الشعبي في درعا، استضاف مكتب الأمم المتحدة في جنيف، في أواخر حزيران /يونيه 2012، اجتماعا ضمّ كلا من الأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لجامعة الدول العربية ووزراء خارجية الاتحاد الروسي وتركيا والصين والعراق (رئيس مؤتمر قمة جامعة الدول العربية) وفرنسا وقطر (رئيسة لجنة جامعة الدول العربية لمتابعة الوضع في سوريا) والكويت (رئيسة مجلس وزراء الخارجية التابع لجامعة الدول العربية) والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية والولايات المتحدة الأميركية وممثلة الاتحاد الأوروبي السامية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، بوصفهم مجموعة العمل من أجل سوريا، برئاسة المبعوث الخاص المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية لسوريا

عن هذا الاجتماع، الأول الذي ضم الدول الخمسة الدائمة العضوية في مجلس الأمن، صدر «بيان جنيف». أول بيان مشترك يُخرج الملف السوري من صراعات المحاور التي قادتها دول P3 (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا) والخليج وتركيا فيما أطلق عليه اسم «أصدقاء الشعب السوري» في مواجهة روسيا وإيران والصين التي وقفت مع الحكومة السورية. وبهذا البيان، صيغت أول خارطة طريق مشتركة للخروج من حالة العنف والاستعصاء في سوريا.

رفض سفراء P3 وضع بيان جنيف على جدول أعمال مؤتمر المعارضة السورية التي نظمته الجامعة العربية في القاهرة بعد يومين من صدور البيان. ولم يصدر أي قبول لبيان جنيف من الحكومة السورية أو مؤتمر المعارضة في تموز/يوليو 2012. وتحدث أكثر من سفير غربي بصراحة على أن “أصدقاء الشعب السوري” قد انتقلوا إلى الخطة B.

تشكلت غرفتا عمليات في الأردن (الموك) وفي تركيا (الموم) بإشراف ضباط من دول الخليج وتركيا وP3 وأصبح الخيار العسكري سيد الموقف في وجه الحل الأمني العسكري للسلطة الدكتاتورية لتدخل سوريا في ما أسمته اللجنة الدولية للصليب الأحمر في حالة النزاع المسلح. ومنذ نهاية 2011 بدأ توافد “المقاتلين غير السوريين” إلى الأراضي السوري باسم الجهاد. لم تنجح محاولة الوطنيين السوريين الذين اختاروا العمل المسلح في الإمساك بزمام الأمور في المناطق التي انتشروا بها، وبدت هيمنة الأطراف الجهادية المتطرفة في الميدان، خاصة وأن عدد المقاتلين الأجانب الذين التحقوا بالنصرة وداعش جاوز 120 ألف مقاتل.

في موازين قوى غير متكافئة ودعم غير محدود للتنظيمات المتطرفة، نجح تنظيم داعش في السيطرة على 32 بالمئة من الأراضي السورية وتنظيم النصرة وحلفائة على 8 بالمئة. كانت القوات السورية بمساعدة حزب الله وفصائل عراقية تسعى لإبعاد المقاتلين عن العاصمة واستعادة القلمون وحمص وحماه. وتولدت قناعة عند إدارة أوباما بأن استمرار العمل العسكري لن يؤدي إلا لتقوية جبهة النصرة وداعش من جهة والجيش السوري وحلفائه.  عادت الخارجية الأمريكية لبيان جنيف بالتنسيق مع روسيا هذه المرة. إلا أنها لم تتعلم من خطاياها السابقة، وأصرت (مع بريطانيا وفرنسا وأمريكا وتركيا ودول الخليج) على رفض الفقرة التي تقول:

الشعب السوري هو من يقرر مستقبل البلد. ولا بد من تمكين جميع فئات المجتمع ومكوناته في الجمهورية العربية السورية من المشاركة في عملية الحوار الوطني. ويجب ألا تكون هذه العملية شاملة للجميع فحسب، بل يجب أيضا أن تكون مجدية – أي أن من الواجب تنفيذ نتائجها الرئيسية؛

معتبرة الهيكل الذي قامت ببنائه (الائتلاف) هو وحده من يمثّل الشعب والثورة والمجتمع المدني والسياسي في وجه وفد الحكومة

وافقت 27 دولة على حضور جنيف 2 في مونترو مطلع 2014 في مباحثات حكم عليها بالفشل مسبقا لأن السلطات السورية تعرف جيدا حجم وقوة وشعبية “الائتلاف” وبالتالي فلن تقدم أية تنازلات له. عاد الجميع للعمل العسكري. لكن الأمريكي جاء في ثوب التحالف الدولي ضد داعش والروسي دخل باسم محاربة الإرهاب أيضا وبلغ عدد الدول المشاركة في هذه «الحرب» 13 دولة؟؟

في مواجهة حالة العبث والفوضى الناجمة عن انتشار العنف في البلاد والصراعات البينية بين حملة السلاح ونشوء إمارات ظلامية تداعى عدد كبير من الشخصيات والأحزاب السياسية إلى مؤتمر من أجل الحل السياسي دعي إليه 230 سوريا من 29 حزبا وتكتلا وشخصيات مستقلة في القاهرة على مرحلتين الأولى في شهر يناير والثانية في يونيو/حزيران2015. تعرض المبادرون لحملات تشهير وإساءة من كل المراهنين على الحل العسكري في معسكري السلطة والمعارضة، وللأسف لم يكن موقف الدول الأوربية مؤيدا وقتها. واعتبرته التنظيمات الإخوانية والجهادية خيانة للثورة إلخ. ورغم قرار الائتلاف مقاطعة المؤتمر، حضر عدد هام من التيار الديمقراطي في الائتلاف المؤتمر الذي صار يعرف في الأدبيات الأممية بمؤتمر القاهرة. وقد صدر عن هذا المؤتمر ميثاق وطني جامع وخارطة طريق للحل السياسي.

بعد ثلاث سنوات على بيان جنيف عادت «مجموعة العمل من أجل سوريا» للاجتماع في فيينا. بإضافة إيران والسعودية واليابان والإمارات، وجرى تحضير ما يمكن تسميته مسودة قرار جديد لمجلس الأمن جرى التصويت عليه بالإجماع ليدخل في قاموسنا السياسي والحقوقي القرار 2254.

عهدت “مجموعة العمل من أجل سوريا” للمملكة العربية السعودية بدعوة المعارضة السورية لتشكيل وفد التفاوض مع السلطات السورية. وقد تم ذلك وفق توافقات إقليمية ودولية لمن تبقى من أصدقاء الشعب السوري. وللأسف رفضت الخارجية السعودية وقتها، توجيه الدعوة لمؤتمر القاهرة ككيان رئيس في الدفاع عن الحل السياسي وأساس في أية عملية سياسية ذات مصداقية. كذلك لم تجر دعوة العديد من الأطراف السورية الفاعلة في الميدان. فالطرف التركي الذي قبل بأن يكون الائتلاف جزء من المعارضة قبل بذلك مقابل منع أي طرف من شرقي الفرات بحضور المؤتمر وأن يكون هناك أغلبية في التصويت للأطراف الموالية له. وهكذا جرى اختيار رياض حجاب رئيسا لوفد تفاوضي غابت عنه أهم التعبيرات المدافعة عن الحل السياسي. الأمر الذي استدعى تحركنا من أجل اعتبار مؤتمر القاهرة طرفا أساسيا في المفاوضات ولو كان ذلك خارج إطار الرياض ونجحنا في ذلك بتثبيت “مؤتمر القاهرة في القرار 2254.

حرصا على وحدة الصوت والأداء، جرت عملية إصلاح أولى في مؤتمر الرياض 2 حيث التحقت منصة موسكو ومؤتمر القاهرة على أساس العمل المشترك بمبدأ التوافق، الأمر الذي لم يحترمه الائتلاف منذ تشكيله.

لقد فشلت الجولات التفاوضية الثمانية ولم يكن بالإمكان أن تنجح، وللأسف حتى اليوم، لم يتوقف أحد ممن كان في موقع القرار التفاوضي في المعارضة ليسأل عن الأسباب والتي يمكن اختصارها بالقول:

1- لم يعط المجتمع المدني بمختلف تكويناته سوى صفة شكلية (رفع عتب)

2- أبعد أهم المدافعين عن الحل السياسي عن المفاوضات أو جرى تهميشهم

3- لم يكن لوفد المعارضة أي رصانة أو خبرة أو شعبية تحميه وتدعمه.

4- لم يطرح أحد بقوة كشرط لانطلاق المفاوضات تحريك ملف بناء الثقة

5- حرصت كل دولة متدخلة  وضع جماعتها وإبعاد من تعتبرهم خصومها

6- لم يضرب المبعوث الدولي يوما على الطاولة ليقول كل هذا لا علاقة له بالقرارات الأممية بقدر ما كان همه البقاء في مهمته عبر إرضاء الجميع…

7- لم يكن 90 بالمئة من الوفود التفاوضية يفقه ألف باء التفاوض

بالنسبة للدبلوماسية الروسية، شكل فشل مفاوضات جنيف فرصة ذهبية لصياغة قراءة روسية لقرارات الأمم المتحدة انطلاقا من بيان جنيف نفسه والحوار الوطني السوري. لذا دعا الرئيس بوتين بنفسه لمؤتمر سوتشي.

وقفت الدول الغربية ضد انعقاد هذا المؤتمر، ثم عادت لتعتبر مخرجاته مقبولة

على هذا الأساس عادت مباحثات جنيف في ثوب سلة يتيمة اسمها اللجنة الدستورية. ولذا نحاول اليوم عبر هذه السلة أن نجد ما يمكن أن يساهم في عملية انتقال ديمقراطي في سوريا. بعد أن أدخلتنا روسيا والدول الإقليمية والغربية في نفق الإبتعاد عن القرارات الأممية وفقا لرؤياها ومصالحها خلال تسع سنوات. فعزلة المجتمعين المدني والديمقراطي وعزلهما من الدول المتدخلة لا يمكن أن نعززها بالنكوص عن فعل المستطاع لأن الثمن الذي يدفعه شعبنا لم يعد محتملا.

ليس لزرع التشاؤم في النفوس، ولكن حتى لا نخدع أنفسنا ومجتمعنا، علينا أن نذّكر دائما بالمخاطر التي يحملها مسار السلة الدستورية اليتيمة:

1- لا يمكن أن يكون التعديل الدستوري مجديا إذا لم ينجز قبل التاريخ العادي للانتخابات الرئاسية القادمة في سوريا وبكل الأحوال قبل أية انتخابات.

2- لا يمكن لهذا التعديل أن يكون فاعلا إذا لم يثبّت بوضوح صلاحيات الرئاسة وصلاحيات المجلس التشريعي  وفصل السلطات ودسترة المؤسسات الرقابية

3- لا بد من صياغة مشتركة تتقدم بها كتلة كبيرة من اللجنة الدستورية بشكل يحول دون دور المعطل للوفد المكلف من دمشق. صياغة تنشر وتناقش على أوسع نطاق

4- لا بد من ندوات مدنية علنية وشفافة تنقل ما يجري وتشكل قوة اقتراح لنقل النقاش من صراع ديكة إلى حوار وطني لإعداد دستور عصري لسوريا.

يطالب مؤتمر القاهرة في الظروف الصعبة التي يعيشها المواطن السوري وحالة غياب الإحساس بالمسؤولية التي تتعامل بها السلطات السورية مع الخراب السائد بعقد اجتماع عاجل لمجموعة العمل من أجل سوريا بأسرع وقت. خاصة وقد نقل التدويل ملفات أساسية من يد السوريين إلى الدول المتدخلة والمؤثرة في الملف السوري، ومن جهة ثانية نسعى، باعتبارنا الطرف الأساس في الدفاع عن الحل السياسي في البلاد لوضع أمانة عامة دائمة لمؤتمر القاهرة في حالة استنفار لمواجهة مخاطر الإجراءات الأحادية الجانب سواء في دمشق أو في شرقي الفرات وشمال سوريا. والنضال من أجل مؤتمر وطني سوري تمثيلي وجامع يعيد للمجتمع السوري حقه المشروع في قيادة مستقلة الإرادة والقرار.

“وحدة الدراسات في لجنة مؤتمر القاهرة”