سلطان باشا الأطرش

صالح النبواني

ولد سلطان باشا الأطرش في قرية القريا في محافظة السويداء في 5 مارس 1888 وتوفي في 26 مارس 1982، لدى عائلة الأطرش الدرزية الشهيرة، والده ذوقان بن مصطفى بن إسماعيل الثاني مؤسس المشيخة الطرشانية في 1869 بعد انتفاضة العامية الفلاحية التي وصلت ذروتها في 1869، كان ذوقان مجاهداً وزعيماً محلياً قاد معركة ضارية في نواحي الكفر عام 1910، وهي إحدى معارك أبناء الجبل ضد سامي باشا الفاروقي، الذي اعتمد سياسة الحملات العسكرية المتتابعة للجيش العثماني على جبل العرب لإخضاعه لسيطرتها وإثقال حياة الناس بضرائبها. وقد حكم علية الوالي العثماني بالإعدام بتهمة العداء والتمرد على السلطة العثمانية في 1911.  أماّ والدة سلطان فهي شيخة بنت منصور بن إسماعيل الثاني.

بعد عودته من الخدمة الإجبارية تزوج من ابنة الشيخ إبراهيم أبو فخر من بلدة نجران واسمها تركية ورزق منها جميع أولاده الذكور: طلال وفواز ويوسف وجهاد ومنصور وناصر وطلال والإناث: غازية وبتلاء وزمرد وزكية ونايفة وعائدة ومنتهى

سيق سلطان الأطرش الى العسكر العثماني وأدى الخدمة العسكرية للدولة العثمانية في الأناضول ونتيجة ظروف الخدمة والظلم العثماني دفع 50 ذهبية لاعفائه من نصف الخدمة وعاد الى سوريا.

بعد عودته من الخدمة وما قام به سامي باشا من مذابح واعدام والد سلطان الأطرش وفي محاولة من العثمانيين لاحتواء اهل الجبل أرسلوا اليه نيشانا عسكريا تقديرا له فقام بإلباسه للكلب الذي عنده.

تواصل مع الحركات الوطنية والعربية الناشئة. كانت مخاوف سلطان الأطرش مبكرة من محاولة الحلفاء وبشكل خاص بريطانيا وفرنسا استثمار النصر العسكري في الحرب العالمية الأولى لاستعمار المشرق العربي. لذا وقبل دخول جيش الملك فيصل رفع علم الثورة العربية اذار 1917( حيث اجتمع في القريا عدد من أحرار بلاد الشام في مضافة سلطان الأطرش،  منهم الشيخ العالم سعيد الباني من دمشق ورستم حيدر من لبنان ، وخليل سكاكيني من فلسطين، وغيرهم وتدارسوا أوضاع بلاد الشام، وما يلقاه السكان من جور وتعسف من الاتحاديين الترك، وخلصوا إلى جمله من القرارات حول المشاركة بالثورة العربية وتحرير البلاد من الترك. ومن تلك القرارات كان اعتبار القريا بلدة محررة من الترك، اذا قام سلطان الأطرش مع رفاقه الاحرار برفع العلم العربي فوق داره إيذانا باشعال الثورة، وإعلانا بتحرير القريا من قبضة جمال باشا السفاح، كما قام المجاهد البطل حمد البربور برفع العلم ذاته في قرية أم الرمان غير آبه بإنذار جمال باشا السفاح بتدمير داره. علما أن جنود الترك في القلاع المحيطة بالقريا وأم الرمان في كل من قلعة بصرى الشام، وقلعة درارق قرب عرى، وقلعة السويداء، كانوا عاجزين عن المواجهة الحاسمة مع المؤيدين للثورة وتحرير بلاد الشام. جرى هذا الحدث تحت تهديد ووعيد جمال باشا بتدمير القريا ودار سلطان وبات الجبل من شماله الى جنوبه ملجأ آمناً لهؤلاء الثوار من قرية ام حارتين في الشمال الى قرية أم الرمان في الجنوب ، حيث اعتصم على سبيل المثال وليس الحصر عبد الغني العريسي ورفاقه أشهراً في مضافة المجاهد خليل المغوش في ام حارتين. ولو لم يكن سلطان الأطرش قائداً عربياً ، توفرت فيه نبل القيادة وخصائصها ما كان لهذه الكوكبة من أن تتحدى طغيان الترك من بلدته، وتعلنها بلدة محررة قبل تحرير دمشق بسنة ونصف السنة.) (منقول من صفحة الباحث التاريخ الدكتور فندي أبو فخر).

من هناك، توجه في 1918 إلى دمشق مع عدد من المتطوعين لرفع علم الثورة في ساحة المرجة. وقد منحه الملك فيصل الأول لقب باشا لشجاعته وبصفته قائد أول جيش من طلائع الثورة العربية الكبرى وصل الى دمشق. سعى البريطانيون والفرنسيون لإقناع الأطرش بإعلان دولة للموحدين الدروز فرفض ذلك واعتبر سوريا وطنا واحدا من جبال طوروس إلى ميناء العقبة، وفي حديث للقائد الوطني كمال جنبلاط سؤل فيه عن موقف سلطان باشا الأطرش من استقلال لبنان قال: “الباشا عنده سوريا واحدة جزء من أمة واحدة”.

في تموز 1920، جهز سلطان الأطرش قوات كبيرة لنجدة يوسف العظمة في ميسلون، ووصل مع فرسانه إلى براق جنوب دمشق، إلا أنه سمع هناك نبأ حسم المعركة وانكسار الجيش العربي واستشهاد القائد يوسف العظمة وزير الدفاع.

بادر الفرنسيون للاتصال به من جديد للحديث في مشروعهم تقسيم سوريا إلى دويلات وإنشاء الدولة الدرزية عام 1921 لكنه رفض ذلك وحذرهم من أن أية خطوة إضافية لتقسيم سوريا، بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين والحديث عن دولة لبنان الكبير ستواجه “بثورة لا تهدأ حتى طرد آخر فرنسي من البلاد”.

سعى موفد الجنرال غورو الكولونيل كاترو إلى عزل جبل العرب، وأبرم في 4 آذار 1921 معاهدة مع عدد من العشائر في الجبل تعتبر جبل الدروز وحدة إدارية خاصة مستقلة لها حاكم محلي ومجلس تمثيلي منتخبان، وعين وفق المعاهدة سليم الأطرش أول حاكم للجبل.

لم يرتح أهالي جبل العرب للإدارة الفرنسية الجديدة و”اتفاقية الاستقلال المالي والإداري”، وحدث أول صدام معها في تموز من عام 1922 باعتقال المجاهد أدهم خنجر الذي جاء مستجيرا بسلطان الأطرش من ملاحقة الفرنسيين له، اعتقله الفرنسيون بتهمة المشاركة في الاعتداء على الجنرال غورو في سهل حوران، قبل وصوله الى منزل سلطان الاطرش. وعندما علم بالأمر طلب سلطان الأطرش من المسؤول الفرنسي في السويداء تسليمه المناضل أدهم خنجر،  وعندما علم بنقله إلى دمشق، قام سلطان الأطرش ومعه عددا من المجاهدين بمهاجمة  القافلة المسلحة المرافقة للمعتقل، ولكن الفرنسيين تمكنوا من نقله إلى بيروت وأصدروا حكما بإعدامه في 30 أيّار عام 1923. الأمر الذي خلق موجة احتجاج عامة ردت عليها قوات الانتداب  بتدمير منزل سلطان باشا الأطرش في القريا في أواخر آب عام 1922 رداً على هجومه على قواتهم. قرر الأطرش والوطنيون في جبل العرب تنظيم المقاومة المسلحة ضد المستعمر، وطيلة عام تقريبا تعرضت قوات الانتداب لهجوم الثوار على نمط حرب الأنصار. الأمر الذي اضطر فرنسا لاستقدام قوات كبيرة لضرب المقاومة. الأمر الذي اضطر سلطان الأطرش للتوجه إلى الأردن في أواخر صيف 1922. لكنه عاد في نيسان 1923 بضغط بريطاني مقابل إعلان هدنة. في 1924 توفي سليم الأطرش مسموما، وعين الفرنسيون مكانه كابتن فرنسي، خلافا للمعاهدة، وكانت سياسته قائمة على فرض سلطة الانتداب بالسجن والملاحقة والسخرة وسياسة فرق تسد، ومن بعض هذه الممارسات حسبما ورد في مذكرات الدكتور عبد الرحمن الشهبندر:

  1. تخصيص عدد من رجال الجندرمة لضرب الناس وإهانتهم تنفيذاً لرغبات الكابتن كاربييه ورجال حاشيته.
  2. اعتقال حامد قرقوط من أعيان قرية ذيبين خمسة أشهر بدون سبب ولا محاكمة وكان يهان ويضرب صباحاً ومساءاً.
  3. جلد حسين كبول من قرية كفر اللحف حتى تمزق جلده، لأنه أهمل أن يحيي الكبورال ديوشيل أثناء مروره في الطريق العام.
  4. اعتقال وهبة العشعوش في السويداء وضربه ضرباً مبرحاً لانه رفض تأجير منزله.
  5. إطلاق الكبورال ديوشيل عدة طلقات من مسدسه على محمد بك الحلبي مدير العدلية العام، ولم يلقى أي عقاب على عمله الجنائي هذا.
  6. اعتقال حسين صدّيق لمدة خمسة عشر يوماً لأنه لم يذهب لاستقبال الكابتن كاربييه، مع فرض غرامة قدرها 25 ليرة ذهبية على القرية لأنها لم تستقبله أستقبالاً فخماً، وقد فرضت هذه الغرامة على قرية عرمان للسبب ذاته.
  7. اعتقال فهد بك الأطرش قائمقام صلخد وضربه ضرباً مبرحاً دون تحقيق بناءاً على وشاية بسيطة من أحد الجواسيس.
  8. فرض غرامة على أهالي السويداء قدرها 10 ليرات ذهبية لضياع قطة الليوتينان موديل زوجة أحد ضباط الحامية الفرنسية.
    ننقل هذه الأمثلة من ممارسات سلطة الانتداب للتذكير، بأنه، لا بالأمس ولا اليوم أو غدا، يمكن أن يكون الاحتلال حتى من دولة تقول بأنها ديمقراطية حضاريا وعادلا. فالاحتلال هو الاحتلال، والعدوان هو العدوان، وفوقية المحتل وعدوانيته لا تختلف عنها بين بلد وآخر وزمن وآخر.

طرد المفوض السامي ساراي وفد الجبل ورفض مقابلتهم وأخطارهم بوجوب سرعة مغادرتهم بيروت والعودة إلى بلادهم وإلا نفاهم إلى تدمر.

الأمر الذي دفع أهالي مدينة السويداء إلى الخروج في مظاهرة عارمة احتجاجاً على هذه الممارسات. أرسل الأهالي وفدا للتفاوض مع المفوض السامي في بيروت في 6 حزيران 1925، وعندما تعرض الوفد للطرد والمطالبة بمغادرة المدينة، دعا سلطان باشا الأطرش إلى عقد اجتماع في السويداء وطافت المظاهرات أنحاء الجبل  وجرى الاتصال مع عدد من الزعماء السياسيين في دمشق وفي مقدمتهم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر رئيس حزب الشعب للتشاور وتنسيق المواقف، ومع أن حزب الشعب أعلن أنه يسعى لتحقيق مبادئه وبرنامجه بالطرق القانونية المتاحة، تم التعاهد بين عدد من أعضائه بصفة شخصية ووفد من الجبل على إشعال الثورة في عموم سورية، واتفق الطرفان على التعاون من أجل طرد الفرنسيين وتحقيق الاستقلال والوحدة. في تلك الفترة بدا جلياً للدكتور عبد الرحمن الشهبندر أن مخاض الثورة الكبرى قد جاء مقدمٌ لا محال، فبدأ الاتصال بزعماء ووجهاء المدن السورية يحثهم على الثورة ضد الاستعمار ويشحن هممهم ويعزز شعورهم الوطني ويطلب منهم بدء الكفاح المسلح لنيل الاستقلال.

ولتشتيت قوات الانتداب تواصل الشهبندر مع الزعيم إبراهيم هنانو  في المنطقة الشمالية، وكان هنانو سباقاً في مقاومة قوات الاستعمار الفرنسي منذ أن وطئت الساحل السوري في أوائل العام 1920، وقد دامت أعمال المجاهدين في المنطقة الشمالية حتى 15 نيسان 1926 ومن أهم المعارك التي جرت في تلك الفترة معركة تل عمار، والتي كانت آخر معارك الثوار في تلك المنطقة، ووقعت في أوائل شهر نيسان/أيار 1925. كما اجتمع الشهبندر مع الوجيه محمد بك العياش واتفق معه على انتشار الثورة إلى المنطقة الشرقية.  واستطاع العياش من تشكيل مجموعات ثورية لضرب القوات الفرنسية في دير الزور.  وجه الثوار ضربات مؤلمة هناك كان آخرها قتل ضباط فرنسيين في منطقة عين البوجمعة على طريق الرقة-دير الزور، وإثر هذه العملية قامت الطائرات الفرنسية بقصف القرى قصفاً مدمراً وعشوائيا وتهدمت بيوت المواطنين على رؤوس الأطفال والنساء واشتعلت النيران في المزارع والبيادر، وهلكت الماشية. كان قصفاً مرعباً ومدمراً والخسائر البشرية والمادية جسيمة، كل ذلك من أجل الضغط على الأهالي لتسليم الثوار، وقد قتل نتيجة القصف رجلين وامرأة كانت حاملاً، وعشرات الجرحى المصابين بالرصاص وشظايا قنابل الطائرات المعتدية.

كان رد سلطات الانتداب وحشيا وعنيفا، وقامت بمحكامات صورية لمن اعتقل من الثوار. وفي 5 آب 1925 أصدر المفوض السامي القرار 49 اس القاضي بنفي جميع أفراد عائلة عياش الحاج من دير الزور إلى جبلة وحكم على محمود العياش مع اثني عشر ثائرا بالإعدام ونفذ الحكم في 15 أيلول 1925. وحكم على محمد العياش بالسجن 20 عاما في جزيرة أرواد، وإمعانا بالتشفي، قامت سلطات الانتداب باغتيال عميد العائلة عياش الحاج في أوائل 1926.

من جهته، طلب المفوض السامي من مندوبه في دمشق استدعاء بعض زعماء جبل العرب بحجة التفاوض معهم بشأن مطالبهم. وعندما وصل الوفد المفاوض، ألقي القبض عليه وجرى نفيه إلى تدمر والحسكة. وقد ضم الوفد عقلة القطامي، الأمير حمد الأطرش، عبد الغفار الأطرش، نسيب الأطرش، وبرجس الحمود، حسني عباس، علي الأطرش، يوسف الأطرش، علي عبيد.

نتيجة لهذه الممارسات الوحشية والدنيئة من القوات الفرنسية، قام سلطان باشا الأطرش بإعلان الثورة السورية الكبرى في 21 تموز 1925 في بيان سياسي وعسكري مما جاء فيه:

أيها العرب السوريون تذكروا أجدادكم وتاريخكم وشهداءكم وشرفكم القومي، تذكروا أن يد الله مع الجماعة، وان إرادة الشعب من إرادة الله، وان الأمم المتمدنة الناهضة لن تنالها يد البغي، لقد نهب المستعمرون أموالنا واستأثروا بمنافع بلادنا، وأقاموا الحواجز الضارة بين وطننا الواحد، وقسمونا إلى شعوب وطوائف ودويلات، وحالوا بيننا وبين حرية الدين والفكر والضمير وحرية التجارة والسفر حتى في بلادنا وأقاليمنا، إلى السلاح أيها الوطنيون إلى السلاح تحقيقاً لأماني البلاد، إلى السلاح تأييداً لسيادة الشعب وحرية الأمة، إلى السلاح بعدما سلب الأجنبي حقوقكم واستعبد بلادكم ونقض عهودكم، ولم يحافظ على شرف الوعود الرسمية، وتناسى الأماني القومية.

ومنذ تلك الخطبة أطلق الأطرش والشهبندر وهنانو والعلي… شعار الثورة حتى الاستقلال  وبناء الجمهورية السورية، دولةٌ الدين فيها لله والوطن للجميع.

–       وفي نداء من قائد جيوش الثورة إلى عموم أبناء سوريا نداء تنظيميا ودفعا للتعامل مع الثورة والمجاهدين جاء فيه:

يا بني الوطن : لا تنافس في الاهواء ولا خصومات ولا احقاد طائفية بعد اليوم . انما نحن امة عربية سورية امة مستضعفة، قوية في الحق، قد انتبهت الى المطالبة بحقها المهتضم، أمة عظيمة التاريخ، نبيله المقاصد، وقد نهضت تريد الحياه حقا طبيعيا وشرعيا لكل للأمم، وقد قسمها الاستعمار الأجنبي فوحدتها مبادئ حقوق الانسان وأعلام الحرية والمساواه والاخاء. نعم ليس هناك درزي وسني وعلوي وشيعي ومسيحي، ليس هناك إلا أبناء أمة واحدة وتقاليد واحدة ومصالح واحدة، ليس هناك إلا عرب سوريون. يا بني الوطن ليس لكم بعد الآن على اختلاف المذاهب والفئات إلا عدوا واحدا هو الحكم العسكري الجائر والاستعمار الأجنبي، فانفروا إلى إنقاذ البلاد من أوضاعها السيئة وارفعوا علم الاتحاد والتضامن والتضحية ان حركتنا اليوم هي حركة مقدسة غرضها المطالبة بالحرية والاستقلال وضمان حقوق البلاد على مبدأ سيادة الامة فليتحد الدرزي والسني والعلوي والشيعي والمسيحي اتحادا وثيقا وليؤلف بين قلوبنا الاخاء القومي ومحبة الوطن ولتكن ارادتنا حديدية واحدة ….. سلطان الأطرش قائد جيوش الثورة الوطنية السورية العام

باشر سلطان باشا الأطرش والثوار شن الهجمات العسكرية على القوات الفرنسية وأقدموا على حرق دار المفوضية الفرنسية في صلخد. والاستيلاء على مقرها. وفي أيلول كانت معركة بلدة الكفر والتي تعتبر اول معركة في الثورة السورية الكبرى  التي قتل فيها أربعين ثائرا منهم مصطفى الأطرش شقيق سلطان ولكن سجل فيها الثوار انتصارا كبيرا على الفرنسيين حيث ابيدت الحمله بالكامل وغنم الثوار كل الأسلحة والذخائر الذين قرروا استنفار خمسة آلاف جندي بقيادة الجنرال ميشو مجهزين ومدعومين بالطيران.

في اليوم الأول من أب عام 1925 اشتبكت الحملة مع قوات الثوار في بلدة إزرع شمال درعا، وكان عدد الثوار يقارب الثلاثة آلاف وانهزم الثوار في مواجهات النهار، وما إن حل المساء، حتى هاجم الثوار مؤخرة القوات الفرنسية حيث الذخائر والمؤن واستولوا عليها وقتلوا الكثير من الجنود الفرنسيين، وفي صباح اليوم التالي تقدم مئة وسبعة عشر مجاهدا من السويداء ولحق بهم أربعمائة مجاهد من أهالي مجدل ونجران وسليم وغيرها من القرى القريبة، واشتبكوا مع الفرنسيين في قرية المزرعة، حيث هزمت القوات الفرنسية ولم يسلم منها إلا زهاء الألف ومائتي جندي فروا إلى السكة الحديدية في بلدة إزرع ليستقلوا القطار الذاهب إلى دمشق. فقد الثوار في هذه المعركة المجاهد حمد البربور من قرية أم الرمان وكان اليد اليمنى لسلطان باشا الأطرش.

في 20 آب عام 1925 أرسل حزب الشعب وفداً للاجتماع بسلطان باشا الأطرش ومناقشة انضمام دمشق للثورة، ضم الوفد توفيق الحلبي وأسعد البكري وزكي الدروبي، وتصادف وجود الوفد مع وجود الكابتن رينو مندوب ساراي الذي كان يفاوض الثوار باسم سلطات الانتداب لعقد معاهدة سلام، واستطاع وفد حزب الشعب اقناع الثوار بعدم التوقيع على المعاهدة، وفي أواخر آب عام 1925 اجتمعت قيادات حزب الشعب ومنهم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر مع سلطان باشا الأطرش واتفقوا على حشد خمسمائة ثائر للهجوم على دمشق إلا أن مبادرة الفرنسيين للسيطرة على امتداد سكة الحجاز من دمشق إلى درعا لتسهيل نقل الامدادات العسكرية عدل في الخطة للهجوم من جهة بلدة المسيفرة للتصدي لهذا المشروع. وتلقوا الدعم جنوبا من خربة غزالة  وقاضي الجنوب الشرعي وآل الحاج علي.  وفي 17 أيلول عام 1925 شنوا هجوماً ليلياً على القوات الفرنسية المتحصنة في المسيفرة واستعمل الفرنسيون الطيران لوقف الهجوم. تجاوزت خسائر الفرنسيين  التسعمائة جندي علاوة على العتاد والأليات بينما خسر الثوار أقل من مائتي مقاتل، ثم اندلعت معارك الثوار مع القوات الزاحفة باتجاه السويداء، وبعد احتلال مؤقت للمدينة اضطر الفرنسيون للانسحاب.

باشر فوزي القاوقجي التحضير لإعلان الثورة في حماه، ردا على اعتقال وجهاء وعلماء من المدينة بتهمة وقوفهم مع الثوار، واستخدام الفرنسيين أسافل القوم وإذكائهم النعرات الطائفية ورفع الضرائب على الناس. وقد أعلن الثورة في 4 تشرين الثاني 1925 وكاد الثوار يسيطرون على المدينة لولا القصف العشوائي للطائرات الفرنسية للسكان والأحياء الشعبية.   وقد أدى تحرير الثوار لمعرة النعمان وجوارها إلى انسحاب وحدات عسكرية فرنسية من جبل العرب إلى محافظة ومدينة حماه ما خفف الضغط على الثوار في الجنوب.

امتدت الثورة السورية إلى غوطة دمشق، ودارت معارك ضارية قادها المجاهد حسن الخراط، وقد نجح الثوار في ما صار يعرف بمعركة الزور الأولى في قرية المليحة من قتل عدد من الفرنسيين وغنم الثوار سلاحا و29 حصانا كانوا يستخدمونها في الهجوم في الغوطة.

في 18 أكتوبر عام 1925 دخل الثوار مشارف دمشق وكان على رأسهم نسيب بك البكري ثم انضم إليهم ثوار الشاغور وباب السلام يقودهم حسن الخراط، وبقي الثوار أربعة أيام كاملة سحقوا بها جميع الجنود المعتصمين في المتاريس في حي الشاغور والميدان واضطر الجنود الفرنسيون إلى اللجوء لشمالي سوق الحميدية حيث “القلعة” ليحتموا فيها إلى مع عوائلهم.

أمر ساراي قواته بضرب دمشق بالمدافع لإجبار الثوار على وقف هجومهم. وكان قصفا عشوائيا دمر ما يزيد عن ستمائة منزل وعفش الجنود الفرنسيون في المخازن والمحال، وعندما وصل لمسامع الثوار أن الجنرال ساري ينوي زيارة قصر العظم في البزورية قرروا خطفه للمساومة على وقف القصف العشوائي. هرب ساراي وخاض الثوار معركة مع مجموعة حمايته مما أدى لاشتعال حريق في القصر.

لم تتوقف المعارك في الغوطة وفي 17 تشرين الثاني 1925، حدثت معركة الزور الثانية، وفي 19 تشرين الثاني 1925،  معركة يلدا وببيلا، وفي 17 كانون الأول 1925 معركة حموريه. وشمالا وقعت معركة النبك في 14 و15 أذار 1926.

في أواخر تشرين الأول عام 1925، كان ثوار الجبل يتجمعون في المقرن الشمالي ثم ساروا باتجاه الغرب فاحتلوا اقليم البلان ثم بلدة حاصبيا دون أدنى مقاومة من الحامية الفرنسية التي فضل قائدها الانسحاب عندما علم بوصول الثوار، ثم توجه الثوار إلى بلدة راشيا بعد أن علموا أن معركة قوية وقعت بين الموحدين الدروز والحامية الفرنسية، وبعد قتال شديد تمكنوا من دخول قلعتها واحتلالها.

دخل الثوار السوريون مرحلة الاستنزاف مع امتداد أمد الثورة، وعانوا من نقص المؤن والذخيرة، وهو ما ساعد القوات الفرنسية على تشديد الخناق عليهم بجلب المزيد من الجنود والعتاد واستعمال الطيران. أضطر الثوار للنزوح إلى مثلث الأزرق شرقي الأردن، لكن الإنجليز طلبوا منهم مغادرة المنطقة بطلب من الفرنسيين، فنزح سلطان الأطرش وجماعته من المجاهدين إلى وادي السرحان والنبك في شمال المملكة العربية السعودية، ثم إلى مدينة الكرك جنوبا، وقد رفض القائد سلطان باشا الأطرش تسليم السلاح إلى المستعمِر وحكم عليه بالإعدام غيابيا.

عاد سلطان الأطرش ورفاقه إلى الوطن بعد أن أصدرت فرنسا عفواً شاملاً عن كل الثوار إثر توقيع المعاهدة السورية الفرنسية عام 1936، واستقبل سلطان ورفاقه في العاصمة دمشق في 18 أيار عام 1937 باحتفالات شعبية كبيرة.

بعد الاستقلال طلبت صحفية ألمانية من القائد العام ان يوجز لها البطولات التي اجترحت خلال الثورة فأجابها: لا يوجد على هذه الأرض حجر الا وقلبته حوافر خيلنا، ولا توجد حفنة تراب لم ترو بدمائنا، ولكل مجاهد فينا قصص كثيرة من قصص البطولة والشهادة والفداء وليست قصة واحدة، ويلزمنا لرويها تاريخاً كاملاً، فكيف يمكن ايجازها.

يروي سلطان باشا الاطرش في كتاب (أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش، دمشق، دار طلاس، ط2 2008) أنهم حين وصلوا، ثوار الجبل وثوار الغوطة، لفك أسر النساء والأطفال وكبار السن من أهالي الجولان الذين ساقهم حلفاء الفرنسيين إلى منطقة موحلة تسمى (نقعة جمرا) استعاد ثوار الإقليم معنوياتهم وصاروا يزأرون كالأسود ويفتكون بأعدائهم، ويضيف انه من أكثر المشاهد ايلاماً غوص الأطفال والنساء بالأوحال، وتلوث جروح المصابين بالطين، وان أماً قتلت برصاص الفرنسيين فاقترب منها أحد أقاربها ليأخذ طفلها عن صدرها، فهب ينخي الرجال وينشدهم الأخذ بالثأر وهو يصيح: هذا الطفل يرضع حليباً ممزوجاً بالدم. يذكر ان سبعة من آل علم الدين قضوا في معركة السويداء وهم يتداولون رفع بيرق مدينتهم ولم يسمحوا بسقوطه فسجلوا مأثرة من مآثر البطولة التي لا تمحى.

لم يتوقف نضال سلطان الأطرش بعد الثورة، بل شارك أيضاً بفعالية في الاحتجاجات الشعبية في 1945 وكان جبل العرب بتوجيه منه، أسبق المحافظات السورية في طرد الفرنسيين إذ طوق أبناؤه مراكزهم وأجلوهم عن جبل العرب، وذلك كان بقيادة الأمير حسن الأطرش محافظ الجبل آنذاك، انتقمت فرنسا لنفسها من انقلاب الجبل هذا وتحرير السويداء بقصف دمشق والسويداء وأنحاء من سورية في 29/5/1945. إلا أن ذلك أعطى نتائج عكسية بالتضامن السوري والدولي ولم يكن من الجنرال ديغول إلا أن يقبل بفكرة الجلاء عن سورية ولبنان.

بعد الاستقلال، وصدور قرار التقسيم عن الأمم المتحدة، دعا سلطان باشا الأطرش  والحركة  الشعبية في جبل العرب في نهاية 1947 وبداية 1948 إلى تأسيس جيش عربي موحد لتحرير فلسطين، وبالفعل تطوع المئات من الشباب واتجهوا للمشاركة الفعلية في حرب 1948 واستشهد هناك حوالي 80 شاباً من الجبل.

أثناء حكم أديب الشيشكلي، في انقلابه الثاني، تعرض سلطان باشا الأطرش لمضايقات كثيرة نتيجة اعتراضه على سياسة الحكم الديكتاتوري، التي مارست القمع والتنكيل على الجميع وقد تنادى ساسة البلاد لتشكيل جبهة وطنية، من الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية لثورة 1925 لمجابهة الديكتاتورية والدعوى إلى انتخابات نيابية تعبر عن الشعب  وقد احس الشيشكلي بخطورة هذا المشروع، وحاول ان يثني ممثليه عن تحقيقه واهمهم في جبل العرب فكانت حمله إجرامية جردها على الجبل ، لإخضاعه واعتقال قائد الثورة العام  فغادر الجبل إلى الأردن في كانون ثاني 1954 حقنا للدماء ولرفضه ان يقاتل أبناء بلده من جيش الشيشكلي، وقد حاول قائد الجيش الأردني البريطاني كلوب باشا استغلال وجود سلطان الأطرش في الأردن وضنا منهم بانه ضعيف وحاولوا ان يقنعوه بخطتهم القديمة لسلخ الجنوب السوري والحاقه بالأردن الا انه رفض رفضا قاطعا وقال ” نار الشيشكلي ولا جنتكم “” وجهز حاله لمغادرة الأردن ولولا العارفين من الاسرة الهاشمية وتدخل الملكة زين والدة الملك الفتي حسين لمعرفتها بتاريخ بني معروف والعلاقة المتأصلة مع الهاشميين واصرت على اصلاح الامر مع سلطان الأطرش ومن معه وابقائهم واحسان افادتهم في  المملكة وتكريمهم افضل تكريم  وعندما عمّ الهياج أنحاء سورية لاسيما بين الطلبة الذين كانوا في حالة إضراب مستمر، واعتقل العديد ومنهم الأستاذ منصور الأطرش أحد أبناء سلطان الأطرش، فجرت محاولة شعبية لإخراجه من السجن أدت إلى اشتباك مسلح، سرعان ما تحولت إلى معركة في جبل العرب، وعاد الأطرش إلى بلده بعد سقوط الشيشكلي.

أيد سلطان الأطرش الانتفاضة الوطنية التي قادها الزعيم الوطني كمال جنبلاط في لبنان عام 1958، ضد سياسة كميل شمعون، كما بارك الوحدة العربية التي قامت بين مصر وسورية عام 1958، وقد زاره الرئيس جمال عبد الناصر في السويداء في عهد الوحدة ووقف ضد عملية الانفصال عام 1961.

تفرغ سلطان في أواخر حياته للنشاطات الاجتماعية والتنمية في الجبل وقد رفض الأطرش أي مناصب سياسية عرضت عليه بعد الاستقلال.

لقد كان سلطان الأطرش ديمقراطيا من نوع ما.. كانت ديمقراطيته لا تعد الأصوات عدا بل تزنها وزنا كان يعود بالمشورة على من حوله من الوجهاء والأعيان ويطرح أمامهم المشكلة ولا يطرح الحل ويعطي الناس آرائهم التي تتجمع بعد مقارنتها في رأي أو اثنين عندها يقرر سلطان الأطرش الرأي (أضواء على الثورة السورية الكبرى ص 10 عطا الله الزاقوت).

لم يشارك سلطان الأطرش في احتفال أول عيد للجلاء ويعود سبب عدم المشاركة والدعوى للقائد العام للثورة السورية الكبرى الى الجفاء الذي نشأ بين القائد العام والحكومة السورية التي تشكلت بعيد الاستقلال بقيادة جميل مردم بيك وإلى إصدارها المرسوم رقم 50 الذي يعطي الحكومة سلطة استبدادية تتجاوز بها السلطة التشريعية ، الأمر الذي أثار الوطنيين في وقتها، حيث وصل وفد منهم ضم السادة سعيد حيدر وزكي الخطيب وميشيل عفلق وصلاح البيطار وتم الاتفاق على أن يقوم قائد الثورة السورية بالاتصال برئاسة الجمهورية، والتي استجابت وألغت المرسوم مما سبب القطيعة مع الحكومة وقتها ومع بعض رجال الكتلة الوطنية . وهذا كان وراء غياب سلطان الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى عن الاحتفال بعيد الجلاء بذكراه الأولى .

بقيت العلاقة فاترة بين النظام الحاكم وسلطان الأطرش طيلة فترة حافظ الأسد في الحكم، ولم يزر حافظ الأسد جبل الدروز إلا بعد وفاة سلطان باشا الأطرش لتأدية واجب التعزية

توفي سلطان باشا الأطرش 26 آذار عام 1982 وحضر جنازته في 28/3/1982 أكثر من نصف مليون شخص.

وصية سلطان باشا الأطرش

كانت وصية سلطان، التي وجهها إلى إخوانه العرب، بمثابة دستور يجب المحافظة عليه، بحيث يحافظون على تراثهم وتاريخهم الحافل بالبطولات والأمجاد.

بسم الله الرحمن الرحيم

 اخواني وأبنائي العرب عزمت وأنا في أيامي الأخيرة، انتظر الموت الحق أن أخاطبكم مودعا وموصيا. لقد اولتني هذه الامة قيادة الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي الغادر. فقمت بأمانة القيادة وطلبت الشهادة وأديت الامانة. انطلقت الثورة من الجبل الاشم، جبل العرب، لتشمل وتعم، وكان شعارها “الدين لله والوطن للجميع”. واعتقد أنها حققت لكم عزة وفخارا وللاستعمار ذلا وانكساراً. وصيتي لكم اخوتي وابنائي العرب هي أن أمامكم طريقا طويلة ومشقة شديدة تحتاج إلى جهاد وجهاد. جهاد مع النفس وجهاد مع العدو. فاصبروا صبر الاحرار. ولتكن وحدتكم الوطنية وقوة ايمانكم وتراص صفوفكم هي سبيلكم لرد كيد الاعداء وطرد الغاصبين وتحرير الارض. واعلموا أن الحفاظ على الاستقلال أمانة في أعناقكم، بعدما مات من أجله عدد من الشهداء وسالت للوصول اليه الكثير من الدماء. واعلموا أن وحدة العرب هي المنعة والقوة، وأنها حلم الاجيال وطريق الخلاص. واعلموا بأن ما اخذ بالسيف  بالسيف  يؤخذ، وأن الإيمان أقوى من كل سلاح، وان كأس الحنظل بالعز أشهى من ماء الحياة مع الذل، وأن الإيمان يشحن بالصبر ويحصد بالعدل ويعزز باليقين ويقوى بالجهاد. عودوا إلى تاريخكم الحافل بالبطولات، الزاخر بالأمجاد، لأني لم أر أقوى تأثيرا في النفوس من قراءة التاريخ لتنبيه الشعور وايقاظ الهمم، ولاستنهاض الشعوب لتظفر بحريتها وتحقق وحدتها وترفع اعلام النصر. واعلموا أن التقوى لله والحب للأرض، وأن الحق منتصر، وأن الشرف بالحفاظ على الخلق، وان الاعتزاز بالحرية والفخر بالكرامة، وأن النهوض بالعلم والعمل، وأن الأمن بالعدل، وأن بالتعاون قوة. الحمد لله، ثم الحمد لله. لقد أعطاني عمرا فقضيته جهاداً، وامضيته زهدا. ثبتني وهداني وأعادني لإخواني. اسأله المغفرة وبه المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل. أما ما خلفته من رزق ومال، فهو زهد فلاح متواضع تحكمه قواعد الشريعة السمحاء”.