شكري القوتلي (الجزء الأول)

عندما نقرأ تاريخ الكبار وننظر لمن يحيط بنا من الصغار نبكي قدرا ظلمنا منبر سيريانوك يبدأ سلسلة شخصيات سورية بالرئيس شكري القوتلي

ولَد شكري القوتلي في حي الشاغور يوم 21 تشرين الأول 1891 وهو سليل أُسرة عريقة جاءت من الحجاز واستوطنت دمشق في مطلع القرن الثامن عشر. عمل رجالها بالتجارة والزراعة والسياسة.

دَرس شكري القوتلي القرآن الكريم في دمشق وتعلم الفرنسية في مدرسة الآباء العازاريين ودرس الثانوية في مدرسة عنبر خلف المسجد الأموي. سافر إلى اسطنبول عام 1908، ليلتحق بالمعهد الشاهاني الملكي، أرقى مدارس العاصمة العثمانية  حينها. وقد تخرج القوتلي منه عام 1913، حاملاً الشهادة العليا بالعلوم السياسية والإدراية.

عاد شكري القوتلي إلى دمشق وعَمل موظفاً في مكتب الوالي العثماني، وانتسب سراً إلى “الجمعية العربية الفتاة” التي أنشئت في باريس على يد عدد من الطلاب العرب، بهدف تحرير البلاد العربية من الحكم العثماني وبايع الشريف حسين بن علي عام 1916 حيث اعتقله جمال باشا السفاح الحاكم العسكري لولاية سوريا. بقي في المعتقل حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وسقوط الحكم العثماني في سبتمبر/أيلول 1918. عين مديرا للرسائل بعد قيام حكومة الأمير فيصل بن الحسين. وانضم إلى حزب الاستقلال العربي المقرب من الأمير فيصل المنادي بتحرير الأمة العربية من أي استعمار أجنبي  وتوحيدها ضمن حدودها الطبيعية.  بايع السوريون الأمير فيصل ملكا على مملكة سوريا العربية في 8 آذار 1920 إلا أن قوات الاحتلال الفرنسي خلعت الملك والحكومة وفرضتالانتداب على سوريا ولبنان. وكان من أولى قرارات المندوب السامي غورو الحكم بالإعدام على نخبة من الوطنيين في مقدمتهم شكري القوتلي. الذي هرب إلى مصر وأقام في القاهرة لاجئا سياسيا.

تزوج من السيدة بهيرة الدالاتي ابنة أحد شركائه في المعتقل وشارك في تأسيس “المؤتمر السوري الفلسطيني” في جنيف،  أول تنظيم سياسي لمقارعة الانتداب البريطاني في فلسطين والانتداب الفرنسي في سوريا ولبنان. وكان فيه الشيخ رشيد رضا وخير الدين الزركلي وعبد الرحمن الشهبندر وأديب خير وميشيل لطف الله. ومع هزيمة الهاشميين في الجزيرة العربية تواصل شكري القوتلي مع عبد العزيز وبنى معه علاقة صداقة قوية وقد دفع نحو الاستفادة من الطاقات العربية في بناء المملكة فبدأت مبكرا جحافل المستشارين من خيرة الكوادر مثل الشيخ يوسف ياسين والدكتور رشاد فرعون والدكتور مدحت شيخ الأرض. الأمر الذي ابرز تيارين متعارضين في المؤتمر السوري الفلسطيني: جناح محسوب على الهاشميين وآخر على المملكة الوليدة من أهم رموزه نبيه وعادل العظمة ومفتي القدس محمد أمين الحسيني ومحمد عزة بروزه..

مكث القوتلي في المنفى بين فلسطين ومصر وأوربا   مناصراً القضية السورية حتى عام 1924 حين تمكن من العودة إلى دمشق بعد صدور عفو فرنسي عنه.  وبعد عام في أغسطس 1925 انطلقت الثورة السورية الكبرى فكان القوتلي من أوائل الذين انتقلوا مع عدد من القادة الوطنيين إلى السويداء، وشارك في الاجتماع الذي عقد للمناداة بسلطان باشا الأطرش قائداً عاماً للثورة السورية الكبرى، والتي طالبت بوحدة البلاد، والاعتراف باستقلالها، والشروع بتنظيم انتخابات جمعية تأسيسيّة تضع دستوراً للبلاد يحقق سيادة الأمّة والحرية والمساواة والإخاء لجميع السوريين. قام القوتلي ببيع أملاكه في الغوطة الشرقية لأخيه عادل القوتلي، واشترى بثمنها سلاحاً للثوار، وقد تولى مهام دفع رواتب دورية لهم، وصلت إلى ليرتين ذهبيتين في الشهر. وقد وصلت قيمة تبرعات القوتلي إلى الحركة الوطنية يومها إلى نصف مليون ليرة ذهبية. عمل أيضاً على جمع التبرعات للثورة من الجاليات العربية المقيمة في المغترب، بمساعدة صديقه الصحفي الفلسطيني محمد علي الطاهر والدمشقي محب الدين الخطيب وقائد حركة تونس الفتاة عبد العزيز الثعالبي. كما سافر إلى مصر للاجتماع بسعد باشا زغلول، زعيم حزب الوفد، الذي قدم دعماً مالياً للثورة  السورية الكبرى عن طريق شكري القوتلي. وفي 26 أغسطس ألقي القبض على القوتلي وعدد من الزعماء الوطنيين بينهم عبد الرحمن الشهبندر وجميل مردم بك وآخرين، ونفوا إلى جزيرة أرواد،  وبعد إطلاق سراحه، غادر القوتلي البلاد من جديد لصدور حكم آخر بالإعدام عليه، وأقدم الفرنسيون على تدمير منزل أسرته بالشاغور انتقاما.

في 16 فبراير 1926، صدر عفو عام عن جميع الجرائم المرتكبة خلال الثورة، وشمل العفو سبعين شخصية منهم شكري القوتلي وعدد من القادة الوطنيين. وقد جاء العفو قبل موعد انتخابات الجمعية التأسيسيّة، التي تمت أخيراً عام 1928، والتي سبقها في العام نفسه عقد المؤتمر الوطني السوري.

بعد ضرب الثورة السورية واعتقال وملاحقة قادتها، التف عدد من السياسيين القدامى حول الرئيس هاشم الأتاسي، من أهم الشخصيات الحمصية وقتئذ، وقرروا تأسيس تنظيم وطني جديد لمحاربة الاحتلال بكافة الطرق السياسية والقانونية السلمية. ولدت فكرة الكتلة الوطنية في تشرين الأول عام 1927 وانضم إليها شكري القوتلي فور عودته من مصر، وانتخب عضواً في مجلسها الدائم، مع كلّ من سعد الله الجابري وجميل مردم بك وفارس الخوري وابراهيم هنانو…

طرح شكري القوتلي فكرة المشاريع الانتاجية لتمويل النضال الوطني، وباشر تطبيقها بتأسيس معمل للكونسروة لدفع رواتب شهرية لعائلات المعتقلين والجرحى في شباط 1932، وحمل المشروع الصناعي توقيع كلّ من توفيق قباني، مؤسس أول معمل ملبس في سوق البزورية، والحاج سليم الشلاح عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق، وصادق غرواي صاحب معمل شوكولاتة “غراوي،” إضافة طبعاً لشكري القوتلي، الذي اقترن معمل الكونسروة باسمه. شكل هذا المشروع أول تجربة انتاجية وطنية في خدمة العمل الوطني وبقيت الشركة ناشطة حتى تأميمها بعدعامين من انقلاب 8 آذار 1963.

كانت مواقف شكري القوتلي تنطلق دائما من فكرة الاستقلال والسيادة، وحول هذا المحور كان خلافه الكبير مع جميل مردم بك الذي بحث عن توافقات مع سلطات الانتداب عبر المشاركة في حكومة حقي العظم المحسوبة على الفرنسيين في 1932.

كان لشكري القوتلي دورا كبيرا في تأصيل فكرة المقاومة المدنية للانتداب، وقد شكلت وفاة القائد إبراهيم هنانو وجنازته الوطنية والمواجهات التي رافقت تشييعه فرصة لإطلاق ما يعرف اليوم بالإضراب الستيني الذي أطلقته الكتلة الوطنية في عموم سوريا. وقد لعب شكري القوتلي دوراً محوريا فيه، مُنسقاً وممولاً وقائداً ميدانياً وكان موقف الانتداب المزيد من القمع والملاحقات. ففي 20 ك2 1936 أغلق مكتب الكتلة الوطنية ووضع القوتلي ولطفي الحجار ونسيب البكري تحت الإقامة الجبرية وطرد فارس الخوري من عمادة كلية الحقوق. ورغم ذلك نجح الإضراب في إقالة حكومة تاج الدين الحسيني ودعوة الكتلة الوطنية للتفاوض على استقلال سوريا. لم يشارك شكري القوتلي في المفاوضات فقد عين رئيسا للكتلة الوطنية وكلف بمتابعة انتفاضة الشعب الفلسطيني فأسس “لجنة الدفاع عن فلسطين” لدعم المقاومة الفلسطينية.

توصل وفد الكتلة الوطنية إلى معاهدة  مع رئيس الحكومة الفرنسية  ليون بلوم، تعطي سوريا استقلالها التدريجي على مدى خمس وعشرين سنة، مع امتيازات عسكرية واقتصادية وثقافية للجمهورية الفرنسية داخل الأراضي السورية. وفي أيلول 1936، استقال رئيس الجمهورية والحكومة وجرت انتخابات مبكرة. خاضت الكتلة الوطنية تلك الانتخابات بكامل ثقلها السياسي، وفاز شكري القوتلي بمقعد نيابي. كما فاز هاشم الأتاسي برئاسة الجمهورية، وكُلّف جميل مردم بك بتشكيل الحكومة الوطنية الأولى، التي عُيّن شكري القوتلي فيها وزيراً للدفاع والمالية. كانت حقيبة الدفاع شكلية، لأن سوريا لم تكن تمتلك جيشاً وطنياً بعد حلّ الفرنسيين جيشها الصغير بعيد معركة ميسلون عام 1920.

رفض البرلمان الفرنسي التصديق على معاهدة 1936، بالرغم من تبنيها بالإجماع داخل البرلمان السوري. أُجبر رئيس الحكومة جميل مردم بك على السفر إلى فرنسا لتوقيع ملاحق إضافية للمعاهدة، فيها الكثير من التنازلات، وكان القوتلي ينوب عنه خلال غيابه المتكرر، بصفة رئيس وزراء بالوكالة. ولكن صِداماً حصل بينه وبين شكري القوتلي في شباط 1937، عندما أصر جميل مردم بك على تجديد عقود اقتصادية مع فرنسا، متعلقة بالتنقيب عن النفط واعتماد البلاد على مصرف سورية ولبنان التابع للحكومة الفرنسية، بالرغم من معارضة وزير المالية  شكري القوتلي. انتظر مردم بك سفر القوتلي إلى الحج، وقام بتمرير جميع تلك العقود المعلّقة. غَضب القوتلي من هذا التجاوز الصريح له ولصلاحياته، وقدم استقالته من الحكومة يوم 22 آذار 1938. وفي بيان الاستقالة الذي وزع على الصحف ووكالات الأنباء، قال الوزير المستقيل إنه غادر الحكم لأسباب صحية. حرصا على عدم تمزيق “الكتلة الوطنية”.

سقطت حكومة الكتلة الوطنية في صيف عام 1939، بعد فشلها في تمرير المعاهدة وفي الحفاظ على منطقة لواء اسكندرون، الذي تم ضمه إلى تركيا، وكان ذلك قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب العالمية الثانية. وكعادتها، سعت سلطات الانتداب لتشويه صورة الشخصيات الوطنية المطالبة بالاستقلال التام. فأطلقت الشائعات على أن شكري القوتلي والوطنيين السوريين كانوا مؤيدين لألمانيا النازية. واتخذت من ذلك ذريعة لنفيه مع عدد كبير من الوطنيين السوريين.

في 1941 دخلت قوات الحلفاء إلى سوريا وتبعها الجنرال ديغول الذي أعلن في 1941 استقلال سوريا لكسب الوطنيين وبقي الخلاف مع ديغول حول جلاء القوات الفرنسية من سوريا التي وعد بأن يقوم به مع نهاية الحرب.  وافق تاج الدين الحسيني على شروط الجنرال ديغول فعين رئيسا للجمهورية، لكن وفاته وهو في الرئاسة في 17 كانون الثاني 1943 استدعت انتخابات مبكرة، خاضها شكري القوتلي عن الكتلة الوطنية.

فازت الكتلة الوطنية فوزا ساحقا في الانتخابات وقد فاز شكري القوتلي الذي ألقى خطاب القسم يوم 17 آب 1943، ليصبح رابع رئيس للجمهورية السورية وبعد ثمانية أيام فقط من اعتلائه سدة الرئاسة، أرسل القوتلي، وثيقة مكتوبة إلى الممثلية الفرنسية للمطالبة بتفعيل الاستقلال، وذلك يتم بإلغاء اعتبار الفرنسية لغة رسمية، وتحويل “الممثلية الفرنسية” إلى بعثة دبلوماسية عادية، وإلغاء المادة 116 من الدستور السوري، التي جعلت من صك الانتداب مادة فوق دستورية. غير أن الممثلية الفرنسية بعد اجتماع استثنائي عُقد مع شارل ديغول في الجزائر، رفضت الاقتراح، ودعت للتفاوض حول اتفاقية جديدة شبيهة بمعاهدة عام 1936. ولن يتم إلغاء المادة 116 من الدستور إلا ما بعد الجلاء عام 1946. أول أعمال الرئيس الجديد أيضًا، كانت إيفاد رئيس الوزراء سعد الله الجابري، ووزير الخارجية جميل مردم بك إلى مصر بناءً على دعوة النحاس باشا، لعقد اجتماع عربي مشترك، كان من الخطوات التمهيدية لقيام الجامعة العربية.

حصل العهد الجديد على دعم مُطلق من الملك فاروق، صديق الرئيس شكري القوتلي، ومن حليفه وصديقه الملك عبد العزيز آل سعود.   وقد حرص القوتلي على فتح قنوات دولية للترويج لقضية استقلال سورية وجلاء كافة الجيوش الأجنبية عن أراضيها، في تشرين الأول 1943، وقد بعث القوتلي برسائل إلى الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت والسوفييتي جوزيف ستالين والصيني تشانغ كاي شيك مذكراً بمبادئ الحرية والعدالة التي كان الحلفاء يحاربون من أجلها. وفي تموز 1944، استقبل الرئيس القوتلي فياتتشيسلاف مولوتوف  وزير خارجية الاتحاد السوفييتي في دمشق لتبادل السفراء مع موسكو وشارك في مصر في قمة مع الرئيسين فرانكلين روزفلت وونستون تشرشل العائدين من يالطا في 17 شباط 1945 بحضور الملك فاروق والملك عبد العزيز وإمبراطور الحبشة هيلاسيلاسي.

في هذا اللقاء التاريخي، الأول من نوعه لرئيس سوري، طلب ونستون تشرشل من القوتلي عقد معاهدة مع فرنسا، فرد الرئيس السوري بالقول: “لن أعترف بفرنسا ولن أمد لها يدي، ولن أتفق معها مهما كانت الأسباب والظروف. والله ثم والله لن أرتكب هذه الجريمة بحق وطني، ولن أرضخ لأي ضغط ولو أصبحت مياه البحر حمراء قانية.” أجابه تشرشل: “لقد قُلت لك إن لفرنسا مصالح في بلادكم فاعملوا معها معاهدة ثقافية، وأنا كفيلها بكل ما تطلبون.” فأجابه القوتلي: “ليس لها أملاك سوى دار واحدة في الصالحية بمنطقة الجسر الأبيض، وأنا مستعد أن أشتريها منها وأسكنها لأني لا أملك داراً للسكن في دمشق بعد أن أحرقت فرنسا داري ودار أجدادي وآبائي كما دمّرت الحي الدمشقي بأكمله الذي كان بيتنا فيه.”

بعد العودة من مصر، أعلن الرئيس القوتلي في يوم 26 شباط 1945 الحرب على دول المحور لكسب ثقة الدول المنتصرة وعين الدكتور ناظم القدسي سفيرا لسوريا في واشنطن وطالب بانضمام سوريا للأمم المتحدة وعين صديقه المناضل الكبير فارس الخوري الذي رأس حكومته رئيسا للوفد السوري المؤسس في الأمم المتحدة.

في 19 أيار 1945، عقدت قمة سورية لبنانية في بلدة شتوره، قرر خلالها الرئيس القوتلي ونظيره اللبناني بشارة الخوري  تجميد كافة المفاوضات مع الحكومة الفرنسية، مطالبين بتحديد فترة زمنية واضحة لجلاء قواتهم عن سورية ولبنان.  ردّت فرنسا بإرسال تعزيزات عسكرية إلى شواطئ بيروت ونقلها فوراً إلى دمشق. وفي الساعة السابعة من مساء يوم 29 أيار 1945، بدأ العدوان الفرنسي على مدينة دمشق، عندما طُلب من عناصر حامية الدرك المرابطة على أبواب المجلس النيابي إنزال العلم السوري وتحية العلم الفرنسي بدلاً منه.  رفض السوريون فعل ذلك، فأُطلق الرصاص الحي عليهم، ودخلت القوات الفرنسية إلى داخل المجلس بحثاً عن رئيسه سعد الله الجابري، فلم تجده وأضرمت النار في مكتبه وقامت بقصف المبنى بالمدافع. جاء أمر الهجوم على دمشق من الكولونيل أوليفيا روجيه، الحاكم العسكري للمدينة، المعين حديثاً من قبل الجنرال شارل ديغول، وقد نصت خطته على اعتقال كلّ من شكري القوتلي وجميل مردم بك وسعد الله الجابري، بصفتهم أعداء الجمهورية الفرنسية.

وخلال العدوان الفرنسي أُحرقت مناطق عدة في دمشق، منها سوق ساروجا الأثري وأحياء في منطقة العمارة وقصفت قلعة دمشق التاريخية، إضافة طبعاً لتدمير البرلمان في شارع العابد. جاء السفير البريطاني تيرانس شون إلى منزل الرئيس القوتلي في ساعة متأخرة من الليل وعرض عليه الخروج الآمن من العاصمة، مع كافة أفراد أسرته، قائلاً إن فرنسا تنوي اعتقاله مع جميع رجال حكمه. نهض القوتلي من الفراش، حيث كان يعاني من نزيف حاد بالمعدة، وصاح في وجه السفير البريطاني: “ألمثلي يقال هذا؟ أنا لم أغادر دمشق ولن أغادر دمشق، وأريد أن تنقلوا لي سريري إلى مدخل المجلس النيابي، لأستشهد من هؤلاء الأبطال. ثم طَلب إحضار والدته وزوجته وأولاده إلى الغرفة وخاطب المندوب البريطاني قائلاً: “ما عندي أغلى من ديني ووطني وهؤلاء، فوالله لو قطعتم أصابعي بعد أن دمّر الفرنسيون بلدي، لن أوقع لهم ما يريدون”.

وقد أوفد سعد الله الجابري إلى مصر ليخطب أمام جامعة الدول العربية معلناً أن “مجزرة رهيبة يندى لها الجبين قد حدثت في دمشق.” وبعدها بيوم واحد، صدر إنذار البريطاني صارم من لندن، حاملاً توقيع ونشتون تشرشل، مطالباً بالانسحاب الفرنسي الفوري من سورية، دون أي قيد أو شرط، تلبية لرغبة الرئيس القوتلي. فُرض وقف لإطلاق النار من قبل الإنكليز في 1 حزيران 1945 وبدأت فرنسا بالانسحاب، حيث سلّمت الحكومة السورية كل المطارات والمواقع العسكرية، وتلاها تسليم جميع المستشفيات والمدارس والسجون، ومعها جزيرة أرواد وقلعة حلب وقلعة دمشق. وقد أعلن الرئيس شكري القوتلي يوم 1 آب 1945 عيداً وطنياً لتأسيس الجيش السوري الذي كان قد هُزم على يد الفرنسيين قبل ستة وعشرين سنة في معركة ميسلون. وفي 17 نيسان 1946، أقيم عيد الجلاء الأول في سورية بمشاركة عربية واسعة، ورفع الرئيس شكري القوتلي علم بلاده فوق سماء دمشق، قائلاً إنه لن يرفع أي عَلم فوق هذه الراية إلا علم الوحدة العربية.

أسامة الرفاعي