اللاجئون والنازحون في الوطن العربي

د. كاظم الموسوي // 

(العراق)

تزداد أعداد اللاجئين والنازحين في الوطن العربي كل عام في إحصاءات وسجلات المنظمات المعنية مباشرة أو التابعة للأمم المتحدة بعناوين الاهتمام بحياة اللاجئين والنازحين. والأسباب التي تطرحها تتكرر ولا جديد فيها، هي حسب ما تكتبه مختصرة في الحروب الداخلية والأهلية والخارجية، وأوضاع التدهور الاقتصادي، والأزمات الأخرى التي تشكل الأسباب أو عوامل البحث عن ديار آمنة. وكذلك أصبح في تقويم للأمم المتحدة يوم للاجئين، تحتفل به وتصدر بيانات عنهم وتقارير لمنظماتها ومفوضيتها وغيرها من المنظمات التي تشكل بأموال مفتوحة لرصد الحالات والتقصد في نشرها وإعلانها.

وفي كل الحالات التي تسبب اللجوء أو النزوح، ولكل من المصطلحين تفسيره القانوني والسياسي وتميزه، لا تتطرق تقارير هذه المنظمات إلى الأسباب الحقيقية التي تقف وراءها. أي في الأخير تغطي على من هو صانع هذه الحالات المأساوية؟ رغم أنه واضح لكل ذي بصر، إلا أنها تحاول بأساليبها التمويه والتهرب من الحقيقة المُرة.. الأمر الذي يضع مصداقية ما يصدر عن هذه المنظمات والمؤسسات من تقارير وتصريحات موضع شك وريبة، سواء في السردية أو الإحصاءات، وقد تكون من منظور آخر طرفا في المأساة، سواء في مشاركتها في التضليل أو في الصمت وحرف الوقائع فيما تنشره وتعتاش عليه.

آخر تقرير للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الذي نشر على موقعها الرسمي حول “الاتجاهات العالمية”، صدر بمناسبة اليوم العالمي للاجئين، رسم صورة قاتمة عن أوضاع اللاجئين والنازحين في العالم. فقد ذكر أن المنطقة العربية استضافت ما يقرب من ربع عدد المهجرين قسرا حول العالم، بينما وصل إجمالي عدد النازحين داخليا في اليمن إلى 4 ملايين شخص، كما بقيت مستوياتُ النزوح الداخلي مرتفعة أيضا في العراق وليبيا وسوريا. وبيَّن التقرير أن شخصا واحدا على الأقل يتعرض “للتشريد القسري” كل ثانيتين، في حين وصل عدد اللاجئين حول العالم خلال عام 2020 أكثر من 26 مليونا، كما بلغ عدد النازحين 82.4 مليون؛ أي ما يقارب مئة مليون إنسان في حالة هجرة عن دياره ومرابعه.

وأشارت التقديرات الجديدة للمفوضية إلى أن ما يناهز مليون طفل قد ولدوا لاجئين بين عامي 2018 و2020، وقد يظل الكثير منهم لاجئين لسنوات قادمة. وما يتبع ذلك من حرمان من حقوقه كطفل أمام مؤسسات عناوينها رعاية الطفولة.

وللاستهداف السياسي أو الابتزاز المتكرر، تنشر للعام السابع على التوالي، خبر استضافة تركيا لأكبر عدد من اللاجئين في العالم، برقم اقترب من 4 ملايين لاجئ، ولا تذكر بلدانا أخرى فيها ما يقارب هذا العدد من اللاجئين، وفي جوارها، وكيف ولماذا أسهمت في التحضير مسبقا لها؟! وذكر التقرير أنه على الرغم من جائحة فيروس كورونا، فقد ارتفع كثيرا عدد الأشخاص الفارين من الحروب والعنف والاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان في عام 2020. وحثت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قادةَ العالم على تكثيف جهودهم لتعزيز السلام والاستقرار والتعاون من أجل وقفِ الاتجاه السائد منذ ما يقرب من عقد من الزمان، والبدء في قلب مساره، فخلفَ كل رقم هناك شخص أُجبر على ترك منزله، وقصة من قصص الحرمان والمعاناة. ورغم هذه الإشارات الصريحة إلا أنها لا تضع الإصبع على الجرح، كما يقال.. توصيات تبقى باهتة وعمومية ولا تحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية للقادة الذين تخاطبهم وتعرف جيدا أدوارهم في المحنة العالمية، التي تصدر عنها تقاريرها.

أشار رئيس المفوضية فيليبو جراندي في مقابلة مع وكالة فرانس برس إلى “اتجاه لوحظ منذ 2012: الأرقام أكثر ارتفاعا من السنة التي سبقتها” معتبرا أن ذلك يعني وجود “المزيد من النزاعات والمزيد من العنف”. ووفق جراندي فإن “الحلول السياسية غير كافية”، في ظل “مجموعة دولية منقسمة، وغير قادرة على إحلال السلام وبالتالي فإن الوضع سيواصل التفاقم”. ولم يخف المتحدث مخاوفه من أن “تكون السنة المقبلة أسوأ من هذه السنة”.
أكد التقرير أن عدد النازحين بسبب الحروب والأزمات في العالم تضاعف في السنوات العشر الأخيرة.. وأشار إلى أن النزوح القسري يمتد تأثيره الآن إلى أكثر من 1% من سكان العالم ـ وبالتحديد 1 من بين 97 شخصا ـ مع عدم قدرة المزيد والمزيد من أولئك الفارين على العودة إلى ديارهم، وهو رقم لم تشهد المفوضية أعلى منه من قبل. أي رقم قياسي عالمي، له آثاره وتأثيراته وتداعياته.. كما قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: “إننا نشهد واقعا متغيرا وهو أن النزوح القسري ليس أكثر انتشارا في الوقت الحاضر فحسب، بل إنه ببساطة لم يعد ظاهرة مؤقتة وقصيرة الأجل”.

تضاعف مستوى النزوح القسري تقريبا منذ عام 2010 (41 مليون شخص مقابل 79.5 مليون الآن). وأورد التقرير أن 80% من عدد المهجَّرين حول العالم يعيشون في بلدان أو أقاليم متضررة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد، والكثير من هذه البلدان تواجه مخاطر تتعلق بالمناخ وغيرها من الكوارث. كما أن أكثر من 3 أرباع اللاجئين في العالم (77%) عالقون في أوضاع نزوح طويلة الأمد، كالوضع في أفغانستان ـ على سبيل المثال ـ والذي يسير الآن في عقده الخامس.

واشتمل تقرير “الاتجاهات العالمية” على كافة جموع النازحين واللاجئين الرئيسيين، بما في ذلك 5.6 مليون لاجئ فلسطيني ممن ينضوون تحت ولاية وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” (UNRWA).

ووفقًا لتقرير مركز رصد النزوح الداخلي الجديد، وهو مركز آخر مهمته الرئيسية تعرف من عنوانه، فقد تسبب، ما يسميه التقرير بـ”النزاع في المنطقة” العربية بين عامي 2010 و2019 في نزوح 2.9 مليون شخص جُدد في المتوسط سنويا. ويمثل النازحون داخليا الآن ما يقرب من 3% من سكان المنطقة؛ أي ما يعادل سكان مدن عمَّان وبيروت ودمشق ودبي وتونس كلها مجتمعة.

صرّحت مديرة المركز ألكسندرا بيلاك قائلةً: “إن حجم النزوح الداخلي والنزوح عبر الحدود لم يسبق له مثيل في بعض البلدان”.

وأشار التقرير إلى أن النازحين الذين يلجؤون إلى مخيمات أو يعيشون في مساكن غير ملائمة نتيجة ما يطلق التقرير عليه “الصراع وأعمال العنف” اضطروا إلى النزوح مرة ثانية أو ثالثة بسبب الفيضانات والعواصف. وإجمالًا، تسببت الكوارث المفاجئة البطيئة النشوء في نزوح 1.5 مليون شخص جديد داخليًّا في جميع أنحاء المنطقة على مدار العقد الماضي.

أضاف التقرير عن تأثيرات العوامل الاقتصادية والبيئية على محنة النازحين، كما أدت جائحة فيروس كورونا المُستجد إلى تعقيد الأمور بقدرٍ أكبر. وقدر المركز أن التكلفة الاقتصادية للنزوح الداخلي في المنطقة تبلغ حوالي 8 مليارات دولار سنويا؛ أي ما يكفي لتوفير ملياري جرعة من لقاحات فيروس كورونا المُستجد، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.

كل التقارير، بأرقامها وإحصاءاتها واستهدافاتها، تضع محنة النزوح واللجوء أولوية مهمة أمام العالم، وتطالب بأهمية إيجاد الحلول وإنقاذ الملايين منهم ومستقبل أجيالهم. فهل من مستجيب؟!

12/7/2021

المصدر:

https://drive.google.com/file/d/1qDkfQjJ9QT7vlfUZ5OTs2ZZgS8eehTpr/view?usp=sharing