قاسم الخطيب: منصة إعلامية مستقلة والتحضير لمؤتمر وطني سوري عام

يعيش السوريون مرحلة حساسة من عمر القضية السورية، فالتشتت واللجوء والبطالة والمجاعة ضربت عميقاً في نفوسهم دون أن تلوح بارقة أمل في حل قريب يعيدهم إلى بلادهم لبنائها وإعمارها، مقابل تحاصص نفوذ دولي وحتى سوري لدى بعض القوى التي أقصت كل التيارات الديمقراطية المستقلة الإرادة والقرار، فيما النظام يمعن في تقسيم البلاد عبر انتخابات رئاسية صورية، ويضاعف من احتمالات وصول البلاد إلى خطر التقسيم في ظل وجود 4 حكومات محلية و4 جيوش محتلة للأرض السورية، واستمرار للتنظيمات الإرهابية داخل البلاد التي ترزح تحت وطأة العقوبات الدولية والتدهور الاقتصادي المستمر.

مع كل ذلك، يبقى للتيار السوري الوطني الديمقراطي رؤيته الساعية دوماً للخلاص ونقل السوريين إلى ضفة الأمان. رغم الحصار ورغم الإبعاد القسري من أطراف التدخل الخارجي. للحديث عن هذه الرؤية ومآلات تفعيل الحل الناجع لسوريا، استضفنا خلال السطور التالية، أمين سر لجنة مؤتمر القاهرة، السيد قاسم الخطيب.

  • التحرير: في ظل الاستعصاء الحاصل، من توقف المفاوضات ومحاولات الدول المتدخلة إدارة المؤقت دون أفق واضحة لمسار العملية السياسية في سوريا، يطرح الوطنيون السوريون اليوم السؤال عن دور الأصوات الوطنية الديمقراطية ويتطلعون إلى حراك سوري-سوري، كيف تنظرون إلى هذا الموضوع الجوهري؟
  • قاسم الخطيب: نحن بحاجة إلى مؤتمر وطني عام للقوى الديمقراطية والشخصيات السورية، وهذا ما نعمل عليه وسيتم إنجازه بالتشارك مع حلفائنا في التيار الوطني الديمقراطي، مؤتمر يمتلك رؤية ناجعة للوصول إلى حل سوري سوري بعيدا عن النفوذ الأجنبي، ينبذ المحاصصة الطائفية والعنف، ويقف في وجه مشروع تقسيم الدولة السورية. هذا الحراك السوري-السوري لابد أن يفضي من خلال العملية التفاوضية المباشرة إلى الانتقال لنظام ديمقراطي برلماني تعددي تداولي. يرسم معالمه ميثاق وطني مؤسس، يرتكز على مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات لجميع السوريين، بغض النظر عن الجنس أو القومية أو المعتقد أو المذهب. دولة مواطنة ودولة قانون ومؤسسات لكل أبناء ومكونات الوطن، وترسيخ فصل السلطات وتنظيم الحقوق والواجبات، واحترام الدستور والقوانين وتجريم الطائفية السياسية ومحاربة الإرهاب بكافة مصادره وأشكاله.
  • التحرير: دفعت عشرات الملايين لإعلام مرتهن القرار لأطراف غير سورية، ألا تعتقدون بضرورة أن يكون هناك منصة إعلامية تتحدث باسم القضية السورية دون ارتهانات، ويبدو أنكم تعتقدون بقدرة السوريين على امتلاك منبر حر لكل من لا صوت له، وقمتم مؤخرا بإطلاق هذا المنبر وفي هيئة التحرير صحفيون من عدة تيارات وطنية ديمقراطية من مؤتمر القاهرة وأعضاء في جود واللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني وكوادر مستقلة، هل أنتم متفائلون بنجاح هذا المشروع الكبير؟
  • قاسم الخطيب: خلال سنوات الحراك الشعبي اتضح للعيان ارتهان عدة جهات سياسية وإعلامية لمحاور إقليمية متعددة كانت قد تدخلت في المسألة السورية، وهذا ما أضر في غاية وجودها الوطني لخدمة القضية السورية دون أجندات خارجية وإيصال صوت الشعب السوري بدلا من تغييبه. لذا فإن قضيتنا تحتاج إلى منبر حر مفتوح لكل الأقلام الناقدة والأفكار الحية والتحليل العقلاني للأوضاع والمشكلات. منبر يستجيب لاحتياجات وضرورات صحيفة جامعة، بمستوى يليق بتضحيات الشعب السوري ويبلسم جراحه بعد ما عاناه من قصف وتهجير وتشريد. لقد استطعنا بتضافر جهودنا الوطنية عبر لجنة مؤتمر القاهرة، بتأسيس منصة سياسية ومدنية غير حزبية  تسمح بخلق الديناميات الإعلامية القادرة على صياغة رسالة أمينة على مصالح السوريين، وتسعى لتوظيف الخبرات السورية في تقديم محتوى فكري وحقوقي وسياسي يعبر عن الفكر السوري الواعي والخلّاق بعيدا عن أي تزييف و تضليل في سبيل خدمة القضية السورية، وإسماع صوت كل الشرائح المغيبة للتفاعل فيما بينها، وتسليط الضوء على الأفكار السورية الغنية الحالمة بالحرية والديمقراطية وتحرر سوريا وشعبها دون تدخلات خارجية.. لقد كانت ردود الأفعال على هذه المبادرة مبعث فخر وتفاؤل، فسوريا ولاّدة والطاقات السورية الوطنيةتطمح معنا لنفس الهدف: كسر الحصار على الأصوات الحرة المستقلة.
  • التحرير: بعد كل ما مر على سوريا الوطن والشعب، أين الأمل لعودة سوريا قبل 2011 دون استبداد وإرهاب؟
  • قاسم الخطيب: كانت ثورة السوريين من أجل الحرية والكرامة نظيفة مخلصة لتطلعات كل السوريين، بدأت باعتصامات وتظاهرات سلمية وعصيان مدني قل مثيله في التاريخ المعاصر، وتواطأت مساع خارجية مع الأجهزة الأمنية في عملية إغراق البلد بالمال السياسي والسلاح والمقاتلين غير السوريين، الأمر الذي أعطى المجتمع الدولي صورة سيئة عن الثورة وأدى إلى تراجع كبير في التعاطف مع القضية السورية. واعتبار ما جرى حربا أهلية تارة وحرب ضد الإرهاب تارة أخرى. لكن هل يمكن حذف التظاهرات المليونية السلمية من ذاكرة شعب واعتبار ضرب الحراك الشعبي فشلا لشعب قدم جيلا كاملا من أجل الحرية والكرامة؟ لقد كان فتح الحدود للمتطرفين والواصلين من دول شتى، عبر الدول المجاورة ضربة موجعة للثورة السورية، فيما لم تكن المعارضة السورية قادرة على التوحد، ابتداء من مؤتمر حلبون لهيئة التنسيق الوطنية، تأسيس المجلس الوطني السوري، وحتى الائتلاف، وإصرار هيئة التنسيق على انها المعارضة الوطنية في الداخل وأنها على الأرض، فيما أصر المجلس الوطني على أنه أكثر جذرية من معارضة الداخل. لقد كان هناك دعم مالي  وتحرك سياسي وإعلامي، وهذا بالنهاية تأطر ضمن أجندات دولية وارتهان المعارضة لدول عربية أو إقليمية يحكمها مستبدون وطغاة، بالتأكيد ليس من مصلحتها أن تنهي حالة الاستبداد في سوريا أما الدول الإقليمية فكانت تبحث عن موطئ في السياسة الدولية من خلال الملف السوري وخدمة مشاريعها ومصالحها الاقتصادية. كان الطرف المغيب هو السوري. لقد نظمنا مؤتمر القاهرة في حزيران 2015 لقناعتنا بعدمية العنف وأن الحل لن يكون إلا سياسيا. ولعبنا دورا هاما في صدور قرار مجلس الأمن 2254 ونحن على قناعة بأن الحل السياسي وفق القرارات الدولية وحده يشكل مخرجا من مستنقع العنف واللجوء والتشرد وتردي الأوضاع المعاشية للناس.  وفي غياب تمثيل وازن وشعبي للمعارضة السورية “الرسمية”، ومن أجل تجاوز حالة الموات لهياكل أصبحت جزءا من الماضي، وعودة سوريا إلى المسار الصحيح دون وجود الاستبداد والإرهاب، ومن أجل ألا تبقى سورية مجزئة إلى مناطق نفوذ، وميليشيات إرهابية تتحكم بمصير السوريين، فإنه لا بد من اجتماع الوطنيين السوريين، بحضور شبابي ونسائي هام، في مؤتمر وطني عام للقوى التي آمنت بالحل السياسي ومازالت متمسكة بالقرار السوري السيادي.  كذلك  كما سبق وأشرت، لا بد من منبر إعلامي حر يضم كل الوطنيين السوريين المغيبين لسماع صوتهم والتقدم إلى الأمام في رحلة جديدة بعيدة عن التشتت وتفعيل دور الطاقات الفكرية والنقدية والإصرار على هويتنا الوطنية كسوريين، والعمل على استقلالية القرار الوطني للسوريين. إضافة إلى ما سبق يمكن أيضاً التنسيق مع محور عربي داعم حقيقي، يكون ضامنا وداعما لأي انتقال سياسي في سوريا المستقبل. صحيح أن السنوات العشر الماضية كانت مدمرة للبلاد والعباد، ولكنها أيضا أنجبت جيلا من الشباب الثائر الرافض للعودة إلى نظام استبداد سياسي ومنظومة فساد معممة.
  • التحرير : بعد كل ما ذكرتموه، هل نحن في سوريا بحاجة إلى قرار دولي جديد؟
  • قاسم الخطيب: بعيداً عن المؤتمرات التي كانت تدعو لها دول ما يسمى بـ “أصدقاء الشعب السوري”، فإننا بحاجة إلى آلية لتنفيذ المقررات الدولية عبر اجتماع دولي جامع من أجل سوريا، من نمط فيينا 1 وفيينا 2، يشارك به أطراف التدخل والتأثير جميعهم، لأننا تعلمنا وعانينا من المقعد الغائب المشاغب، سواء في تجربة اللجنة المصغرة أو مجموعة الأستانة. ولعل القرار 2254 صالح في بنوده ومخرجاته، إلا أن الآلية التنفيذية له في الفترة التي صدر فيها لم تكن واقعية أو عملية.  نحن بحاجة أكثر إلى تطبيق مفاعيل القرار الدولي وهذا لا علاقة مباشرة للسوري به من حيث التنفيذ، لكن له صلة في الضغط على الأطراف التي يتواصل معها من أجل الإعلان على خارطة طريق عملية تكون مراحلها الأخيرة إيذانا علنيا ومباشرا برحيل كل القوى الأجنبية المحتلة لسوريا بعد التخلص من الإرهاب وقبل البدء بانتخابات عامة. إن رسم خارطة طريق للمرحلة الانتقالية  كذلك استقراء المخطط التفصيلي لمرحلة إعادة الإعمار ضروري جدا للخروج من ضيق الأفق السياسي الحالي سواء في معسكر السلطة أو المعارضة،