ملاحظات حول مشروع “الهيئة الوطنية السورية”

الدكتور يونس كنهوش

ملاحظات حول مشروع “الهيئة الوطنية السورية” لمؤتمر وطني

وصلني على مجموعة سورية للواتس ورقة بعنوان “المؤتمر الوطني السوري” صادرة عن “الهيئة الوطنية السورية”، لفت نظري في أعلى الورقة اسم الهيئة بالانجليزية Syrian National Authority أي ما ترجمته في كل القواميس السياسية والعامة “السلطة الوطنية السورية”. واستغربت أن يقع رجال قانون في خطأ كهذا في الترجمة، خاصة وأن معنى هيئة يختلف تماما عن سلطة بكل المجالات.

تقول الورقة بأن المؤتمر الوطني السوري هو الصيغة التي يمكن أن يبنى عليها إنقاذ سوريا، الأمر الذي يتوافق مع المبادرة الوطنية السورية التي دعت لمؤتمر وطني قبل أكثر من عامين. كذلك شعار المؤتمر يلخص ثلاث مطالب أساسية في خارطة الطريق التي تقترحها المبادرة: سورية ذات سيادة موحدة وخالية من الاستبداد والاحتلال والإرهاب.

تنتقل الورقة إلى الرؤيا الوطنية فتكرر بشكل شبه حرفي أهم ما جاء في وثائق المؤتمر الوطني لاستعادة السيادة والقرار.

كذلك في الرؤية السياسية يؤكد النص على أن هذه الرؤيا: “تقوم على أن الحل السياسي في سوريا يبنى على مخرجات مؤتمر جنيف 1 والتي أيدتها القرارات الدولية ذات الصلة، وخاصة القرارين (2118-2254) وفق الأولويات التالية:

  • تشكيل هيئة حكم انتقالي بسلطات تنفيذية كاملة، يجري تشكيلها على أساس قبول المؤتمرين.
  • إعادة النظر في المنظومة الحقوقية “الدستورية- القانونية”..
  • إجراء انتخابات حرة ونزيهة ..”

يكمن التناقض الأول في هذا الكلام، في أنه يبني الحل السياسي على قرارات الأمم المتحدة، ثم يقرر لوحده تفسيرها وتطبيقها.

ويبدو أن نقاط الخلاف تبرز فيما بعد سواء في التعويل على “الإرادة الدولية” أو في مخرجات المؤتمر. وهنا من وجهة نظري المتواضعة، يشكل نقطة خلاف كبيرة  بين تصور “الهيئة” و”اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني لاستعادة السيادة والقرار”:

تربط الورقة نجاح المؤتمر بتوافر إرادة دولية تقوم على تعهد المجتمع الدولي بالاعتراف بمخرجات المؤتمر وتأييد مضامينه إما بقرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أو بقرار الجمعية العامة تحت عنوان “متحدون من أجل السلام” عملا بقرارها رقم (377) عام 1950 وإنشاء صندوق مال دولي طويل الأمد لدعم إعادة إعمار سوريا…

الجميع يعرف، أن هذه الإرادة الدولية كانت غائبة تماما في لحظات لم يعد فيها النظام يسيطر على أكثر من ثلث الأراضي السورية، فأين نحن منها اليوم؟؟ وهل يمكن التعويل على “الفصل السابع” لتحقيق ذلك؟ وأين سيكون الفيتو الروسي والصيني؟ أليس هذا الكلام مستحيل التحقق؟

نأتي بعد ذلك إلى “مخرجات هذا المؤتمر”: يبدأ المقطع بالقول: “تشكيل هيئة وطنية سياسية” تكون الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري.”.

لم نكد نتخلص من المادة الثامنة السيئة الذكر في دستور حافظ الأسد، حتى طلع علينا المجلس الوطني السوري بإسطوانة “الممثل الشرعي والوحيد”، هذه الإسطوانة التي وضعت كل التكوينات المستقلة الوطنية خارج  الثورة والمعارضة والشعب (إذا راجعنا أسماء الموقعة في الهيئة الوطنية السورية نجد أكثر من نصف الأعضاء على الأقل كانوا مستبعدين من هذا “التمثيل” أيضا. أحس ما سمي أصدقاء الشعب السوري بأن هذا الطريق مسدود، فقالت السيدة هيلاري كلينتون جملتها الشهيرة في المجلس EXPIRED. وتشكل الائتلاف في الدوحة أيضا وأبعد عدد هام من القوى الديمقراطية والوطنية وكرروا نفس الخطأ- الجريمة باعتباره الممثل الشرعي والوحيد لقوى الثورة والمعارضة. حتى أن روبرت فورد أصر على أن تحدث المفاوضات حصرا بين “الائتلاف” ووفد النظام في مونترو (جنيف 2) وكان مصير ذلك الفشل. واضطرت تركيا والدول الغربية والخليجية لضم عدد كبير من القوى الوطنية لمؤتمري الرياض 1 و2 بحيث انحسر تمثيل الائتلافيين والفصائل المسلحة إلى قرابة النصف. ومع ذلك لم تذهب المفاوضات بعيدا لغياب أطراف هامة من الجسم الوطني الديمقراطي السوري.   ثم عاد الاعتلافيون يكررون مع سفراء الدول الممولة لهم هذه الجملة، حتى قرف منها السوريون. أليس من السذاجة أن نستعمل مثل هذه التعابير الاستئصالية والاقصائية التي قرف منها السوريون في مشروع مستقبلي يطمح لتجميع القوى والطاقات وليس لحرمان أي طرف من التعبير عن رأيه والنضال من أجل قناعاته؟

في رؤية “المؤتمر الوطني السوري” يعهد أمر تشكيل هيئة الحكم الانتقالي بسلطات تنفيذية كاملة إلى إعضاء المؤتمر الوطني السوري. ونحن نعرف أن هذا التشكيل وفق القرارات الأممية يكون على أساس التوافق بين طرف من الموالاة (الحكومة السورية) وأوسع تمثيل للمعارضة وأطراف من المجتمع المدني والتكنوقراط. أي أنه حتى المبعوث الدولي والأمين العام للأمم المتحدة لا يحق لهم حصره في طرف من أطراف النزاع السوري. فكيف يمكن أن يعترف هؤلاء على مخرجات المؤتمر المخالفة للقرارات الدولية؟

لا تتطرق الورقة لقضية بناء جيش وطني وتكتفي بالحديث عن “إلزام الجيش السوري بالعودة إلى ثكناته”، رغم قناعة كاتبيها بأن بناء الجيش الوطني السوري وإعادة بناء الأجهزة الأمنية التي تحترم الدستور وحقوق الإنسان من النقاط الضرورية لانطلاق أية مرحلة انتقالية جديرة بالتسمية.

لمعرفتنا بكل هذه المشكلات العصية، أكدت اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني لاستعادة السيادة والقرار، على أن نقدها للهياكل والآليات التي تجري في الإستانة وفي اللجنة التفاوضية (شكلا وتركيبا ومنهجا)، إنما يقوم على أساس ضرورة التمسك الكامل ببيان جنيف 1 والقرار 2254، وأن أي تجزئة أو اختزال يفتح الباب لضرب هذه القرارات. لذا انطلقت رؤيتنا من الاحترام الكامل لهذه القرارات، لأن عدم التمسك بذلك شكل سابقة استفاد منها النظام السوري وحلفائه في السنوات التسع الماضية التي تلت بيان جنيف. وأن من الضروري، بعد تهاوي وسقوط الائتلاف سياسيا وأخلاقيا واجتماعيا، أن تجري الدعوة لكل أطياف المعارضة السورية المستقلة القرار والإرادة من أجل أوسع تمثيل شعبي وسياسي في جسم سياسي جامع ينبثق عن مؤتمر وطني يناضل من أجل الحل السياسي وفق القرارات الأممية. وبقدر ما يكون برنامجنا السياسي قائما على تطبيق هذه القرارات، بقدر ما نستطيع كسب الأطراف الإقليمية والدولية ذات التأثير في القضية السورية، أما أن نخرج عن هذه القرارات باسمها وننتظر اعترافا دوليا بنا، فستكون المهمة مستحيلة.

هذه ملاحظات أولية وددت التعبير عنها حول الورقة المقدمة من “الهيئة الوطنية السورية” وآمل أن تنال النقاش والاهتمام لحرصنا على وجود أوراق ومقترحات مشتركة تجمع أكبر قدر من الوطنيين والديمقراطيين.