جمال الأتاسي (الجزء الأول)

 الأستاذ علي الصايغ  //

ولد جمال الأتاسي في نيسان/أبريل 1922م، وكانت نشأته الأولى في حمص، في مرحلة استقطاب مشدودة بين دمشق العاصمة وحلب الكبرى، وتفتح وعيه في مرحلة انتقالية من عهد عثماني طويل راحل إلى عهد الانتداب الفرنسي، في ظل روابط وتقسيمات تشدها العصبيات ما قبل الوطنية أو ما تحت القومية من العشيرة والملة الى العائلة والحي .. في سعي جيل سبق إلى اليقظة الوطنية العروبية في مواجهة الحركة الطورانية وعملية التتريك، كان رهانه على ما سمي بالثورة العربية الكبرى، وفي إقامة الدولة الفيصلية في دمشق .

جمال الأتاسي هو الولد الثاني من إخوته الستة ينتمي الى عائلة عريقة  اقطاعية متدينة، لكنه في عائلته الصغيرة عاش حياة الفئات الشعبية الوسطى، وكان والده صالح الأتاسي متدينا يحمل نفورا من أهل الوجاهة والغنى ويكره حياة الترف وكانت موارد معيشته من أعمال البستنة والزراعة.

بدأ جمال الأتاسي تعليمه في المسجد (كتاب الشيخ) ولم يتابعه لأيام، ثم درس في “الخيرية الاسلامية” كمدرسة ابتدائية، وفي مرحلة الشباب كان عنصرا تحريضيا في المظاهرات والاضرابات الطلابية وتعاقب تنامي حضوره في المدرسة الثانوية الى الدراسة الجامعية في دمشق، في مناخ من التجاذبات الفكرية والسياسية، لكن الخيار القومي العربي طغى على توجهاته فانتقل الى المشاركة الحزبية والسياسية وأسهم عام 1943 في تأسيس “حزب البعث العربي” .

كان على اتصال بالكتلة الوطنية التي تزعمها هاشم الأتاسي، وكذلك “عصبة العمل القومي”،  وكان من مؤسسي رابطة عربية للطلاب العرب بجامعة دمشق في أوائل سنة 1943م، وتعرف على ميشيل عفلق وصلاح البيطار مؤسسي حزب البعث، واشترك معهما في التخطيط لمنهاج السياسة القومية، وفي أواخر عام 1943 أصبح رئيساً للمنظمة الطلابية في حزب البعث، إذ يعتبر بحق من مؤسسي البعث الأوائل .

عندما قامت ثورة رشيد علي الكيلاني في العراق عام 1941م، كان الأتاسي أحد المشاركين فيها، فلما فشلت الثورة اعتقل وأدخل السجن، وهناك التقى به أكرم الحوراني، والذي كان مشتركاً في الثورة ذاتها، وتعرف الحوراني من خلال الأتاسي على حزب البعث .

ولما عقد المؤتمر التأسيسي لحزب البعث في عام 1947م ترأس اللجنة التحضيرية وكان أحد الذين وضعوا دستور الحزب الأول، وبعد ذلك  اضطر للسفر إلى فرنسا لإكمال دراسته، ثم عاد سنة 1950 م فمارس الطب في حماة، وهناك عمل على ضم حزبه لحزب الحوراني. ثم انتقل لممارسة مهنته بالطب النفسي بنجاح في عيادته بدمشق إلى جانب حراكه السياسي الذي لم يتوقف .

باشر الأتاسي في تولي مهام رفيعة مبكرا، فنال العضوية القيادية في المكتب السياسي لحزب البعث عام 1955م، ثم أصبح رئيساً للجنة التحضيرية للمؤتمر الإستثنائي الذي عقده الحزب عام 1956م، وتم انتخابه عضواً في القيادة القطرية المؤقتة والمكتب السياسي حتى أوائل شباط (فبراير) عام 1958م حينما قامت الوحدة وحل الرئيس عبدالناصر الأحزاب السياسية.  قبل ذلك، كان الأتاسي قد كلف قبل قيام الوحدة من قبل أحمد عبد الكريم، رئيس الشعبة الثالثة في الجيش السوري، بالاشتراك مع عبد الكريم زهور ورياض المالكي ونخلة كلاس وعبد الله الريماوي وعبد الله عبد الدايم من أعضاء حزب البعث الإشتراكي بوضع كتاب حول “الدولة الإتحادية العربية” كنموذج مدروس يتبع من الحكومة وتقام الوحدة على أساسه، إلا أن الوحدة قامت قبل الانتهاء من إعداد الكتاب .

في أواخر أيلول من عام 1961م قام الإنفصال، فعاد الأتاسي إلى عمله الحزبي وألف مع سامي الدروبي وعبدالكريم زهور جناحاً حزبيا ذا صبغة اشتراكية.  وفي عام 1963م أصدر الرئيس ناظم القدسي مرسوماً بتشكيل لجنة خاصة لدراسة موضوع إعادة الوحدة وبحث أمورها والتهيئة لها، فكان الأتاسي أحد الذين اختيروا لعضوية هذه اللجنة، إلا أن خلافاً دب بين أعضائها أدى إلى انهيار عملية التخطيط المقترحة، وفي 8 آذار 1963 أعلن الضباط البعثيون والناصريون مجلس قيادة ثورة مشترك إثر انقلاب عسكري.

نشط الأتاسي بنشر أفكاره فكان لمقالاته السياسية في جريدة “البعث” بين عامي 1954 و1958م، وقع كبير وتأثير في الأوساط الفكرية والإعلامية. وترأس تحرير جريدة “الجماهير” و”الجريدة” أثناء الوحدة والتي لقت اهتماماً واسعا من جمهور القراء، وبعد الإنفصال عاد الأتاسي إلى جريدة البعث ينشر فيها أراءه السياسية التي نالت إعجاب المفكرين والسياسيين، وكان أيضاً مشاركاً في كتابة مقالات مجلة “الفكر السياسي” ضمن الثلاثي  زهور والدروبي، والصادرة على شكل كتاب منذ الانفصال وحتى حلول الثورة البعثية عام 1963. وقد تعرض الأتاسي في مقالاته التي تناولت القيادات البعثية التي كان معارضاً لها، مما عرضة للمضايقة والضغط والاعتقال أحيانا .

وبعد أن تم لحزب البعث الاستيلاء على السلطة في 8 آذار 1963م عين الأتاسي وزيراً للإعلام في وزارة صلاح البيطار، والتي كانت أول الوزارات المتشكلة بعد الإنفصال، امتدت من 8 آذار 1963 وحتى 11 آيار 1963م، وكذلك عين عضواً في مجلس قيادة الثورة. وقد كان ابن عمه لؤي الأتاسي وقتها رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة، متولياً مهمات رئيس الدولة.  ولما كان الأتاسيان من الناصريين الذين يتوقعون إعادة الوحدة بين مصر وسوريا، إلا أنه تبين فيما بعد أن هناك فريقا من أعضاء الحزب ضد عودة الوحدة، فاستقال من وزارته ومناصبه في حزب البعث ولم يعد إليها، وكذلك فعل رفاقه الدروبي وزهور .

في عام 1964 كان جمال الأتاسي أحد المشاركين في المؤتمر التأسيسي لحزب الإتحاد الإشتراكي العربي، الذي جاء بعد   إعلان حل حركة الوحدويين الاشتراكيين وحركة القوميين العرب  والجبهة العربية المتحدة وتيار المستقلين بما فيهم ممن كانوا بعثيين .. وانضمامهم الى المؤتمر التأسيسي للاتحاد الاشتراكي العربي، وكان على رأس المستقلين جمال الاتاسي وعبد الكريم زهور  وسامي الدروبي وادهم مصطفى ومحمد الخير ومصطفى الحلاج وفايز اسماعيل وسامي الجندي، وياسين الحافظ وعبد الغني قنوت وغيرهم، وقد عين جمال الاتاسي عضواً في المكتب السياسي في الداخل، فرئيساً للأمانة العامة في هذا المكتب عام 1965م، فأميناً عاماً للإتحاد الإشتراكي العربي في عام 1968م بعد أن حلت الأمانة العامة في المكتب الخارجي، وركز اهتمامه تجاه الوحدة العربية، ثم تبنى مسار الاشتراكية العلمية، وأولوية الديمقراطية، وكان قد اعتمد صيغة الحزب السياسي الثوري بديلا عن التنظيم السياسي، وتزعم  بعد ذلك الحركة الناصرية السورية بلا منافس. واعتقل في أواخر 1968 عقب الإعلان عن جبهة للمعارضة السورية، (ضمت الجبهة الاتحاد الاشتراكي العربي وحركة القوميين العرب وحركة الاشتراكيين العرب وحزب البعث القومي ) وخرج من السجن بوقوع انقلاب عام 1970م، ودعي إلى الاشتراك في الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة فكان من واضعي ميثاقها، وأصبح عضواً في القيادة المركزية لهذه الجبهة بين عامي 1971-1973م، ولكنه سرعان ما تركها  بعد الاعلان عن دستور 1973 وخاصة المادة السادسة التي تنص على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع ، وبقي حاملا لواء المعارضة في سورية حتى وفاته .

رغم الاهتزازات والمتغيرات التي كادت أن تعصف بحزب الاتحاد الاشتراكي العربي في بعض المراحل إلا أنه في قيادته للحزب  بقي جامعا ومجددا، وقدم خلاصة فكره وتجربته من خلال العديد من المقالات والخلاصات والمواقف في الحزب ومؤتمراته، فأغنى فكر الحزب، وأغنى الحركة الناصرية في رؤية جديدة  ومتجددة، وأطلق استراتيجية التغيير الديمقراطي السلمي بديلا عن التغيير الانقلابي، وأعلن شعار الحرية أولا، باعتبارها الأساس لأي تغيير سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي … وفي المؤتمر الثامن عام 2000 الذي انعقد بوجوده قبل وفاته أطلق شعار (تجديد الفكر والبنيان)، وأعلن الخروج من العمل الحزبي السري إلى العمل العلني ..

كان الدكتور جمال نشطاً في المؤتمرات السياسية على الصعيد السوري والعربي والعالمي، فبالإضافة إلى مؤتمرات حزب الاتحاد الاشتراكي العربي التي شارك في تنظيمها، والإعداد الفكري والتنظيمي والسياسي لها، دعي  لحضور المؤتمر الثقافي الإفريقي عام 1967، ثم دعاه الرئيس عبدالناصر لمقابلته في الاسكندرية بعد ذلك المؤتمر لنقاش أوضاع تلك الفترة، وكرر زيارته إلى مصر حيث التقى بالسادات وهيكل وغيرهم حتى عام 1970م

قاد جمال الاتاسي العمل الوطني في سورية، وتزعم المعارضة السورية، عبر طرح استرتيجية وحدة المعارضة  السورية في مواجهة نظام الاستبداد والفساد، سواء كان عبر جبهة 1968 أو من خلال التجمع الوطني الديمقراطي في أواخر السبعينات حيث انتخب الأتاسي أميناً عاماً “للتجمع الوطني الديمقراطي” الذي تألف من أحزاب عديدة ضم: حزب الاتحاد الاشتراكي العربي والحزب الشيوعي/المكتب السياسي الذي أصبح فيما بعد يحمل إسم [حزب الشعب الديمقراطي]، وحركة الإشتراكيين العرب، وحزب البعث الديمقراطي، وحزب العمال الثوري وبعض من المستقلين. وأصدر التجمع ميثاق عمل وطني للتغيير الديمقراطي، طبعا إلى الى جانب كونه أميناً عاماً لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي”، وظل نشيطاً في إنتاجه الفكري والسياسي عبر مقالاته العديدة سواء في نشرة “الاشتراكي العربي” أو فيما بعد “العربي الديمقراطي” التي كانت تصدر عن حزبه الذي أصبح حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي أو عبر نشرة ” التجمع الديمقراطي ” التي كانت تصدر عن التجمع الوطني الديمقراطي، وتعرض  للاعتقال مرارا .

كان نشاطه ملحوظا في السنوات العشر التي سبقت وفاته  في الاتجاه الوحدوي العربي، فقد تقلد عضوية الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي بين عامي 1993-1996م، وانتخب كذلك عضواً في لجنة التنسيق التابعة للمؤتمر القومي العربي الإسلامي.