آن الأوان لعقد المؤتمر الوطني السوري

منيرفا الباروكي

منذ عدة أسابيع، انسحبت من اجتماعات اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني السوري. والحقيقة أن الأسباب لم تكن شخصية أو مرضية، وإنما تضخم المخاوف التي تنتابني من فشل المؤتمر. خاصة وقد تعددت النداءات بعد المبادرة الوطنية السورية لعقد هكذا مؤتمر، وكل طرف يدّعي أنه الأفضل والأكثر قدرة على إنجاحه، ويعزو عدم انضمامه إلى المبادرة لأسباب تثير السخرية، حتى لا أقول الاشمئزاز. حملات إعلامية تعرضنا لها تحاول اختزال المبادرة بشخص أو شخصين، مع كل تقديري واحترامي الكبير لهم هم جزء من مشروع جماعي يقوم به نخبة من المناضلات والمناضلين. بل ومواقف مفاجئة من أصدقاء شاركناهم الخبز والملح أثناء التحضير لهذا المؤتمر، فإذا بهم يعلنون لوحدهم عن مشروع مواز لا أعرف بماذا يختلف عما أقسموا يوما على الوفاء به لإنجاح المؤتمر. ثم طلع علينا مجموعة أخرى تدعو لعقد مؤتمر وطني سوري، تقول بأن رأيها مختلف جذريا وأنها أكثر جذرية في الحرب على النظام من اللجنة التحضيرية، وطرف آخر يقول بأنه غير مستعد للمشاركة في المؤتمر إذا لم يتم التوافق مسبقا على نسبة محددة للمشاركة وحصة مسبقة يتفق عليها سلفا في أي هيئة منتخبة (فوق الانتخابات) !! ذكرتني كل هذه الوقائع بأوجاع مؤتمر القاهرة القديمة، وتذكرت جملة الدكتور وليد البني في شهادته في المعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان عندما قال:”لم يكن عندي أوهام، لذا طالبت بوجود كتلة وطنية مستقلة من 20% لإسماع صوت السوريين في الائتلاف، لكن حتى هذا لم يكن مقبولا”. طبعا احتاج الفقيد ميشيل كيلو لأربع سنوات بعد شهادة وليد البني حتى يقولها بصراحة: “تركيا تقرر عنا.. وكنا ساذجين”(20 ديسمبر 2020).

إن وضع المعارضة السورية اليوم في أسوأ أحواله، فالحكومة التركية فرضت وصايتها الكاملة على الائتلاف ولم تمتنع عن إرسال مقاتلين من الفصائل في مناطقها مرتزقة إلى ليبيا وأذربيجان، أما مجلس سوريا الديمقراطية فقد أصبح تكرارا لتجربة “الجبهة الوطنية الديمقراطية” لحافظ الأسد، يمسك به البي واي دي ووحدات حماية الشعب كقوة مقررة يجمّل منظرها بعربي من هنا وسرياني من هناك. أما هيئة التنسيق الوطنية فقد ضعفت إلى حد كبير وتحاول إحياء مؤتمر حلبون بنفس الطريقة السابقة التي لم تعد صالحة لتشكيل جسم سياسي وطني جديد. كل هذه المشاهد يشعر المرء أمامها بالألم واليأس ويعود ليسمع من حوله الجملة القاتلة: “فالج لا تعالج”.

اتصل بي أحبة من الشمال السوري ومن دمشق والسويداء ليسألوا عن سبب اعتكافي، ماذا أقول لهم، وهم تحت خطر الملاحقة والاعتقال في أي لحظة. وأخيرا طرحت على نفسي السؤال: “إذا أنت استقلت، وغيرك من الوطنيات والوطنيين استقال، لمن نترك الساحة ؟ وهل الاستقالة يمكن أن تحل المشكلة العامة؟ وعادت إلي مشاهد سابقة كنت أحاول تجاوزها:

قبل ست سنوات، جرى ترشيحي مع عدد من المناضلات السوريات لحضور مؤتمر المعارضة الوطنية من أجل الحل السياسي (مؤتمر القاهرة/حزيران 2015) من قبل عدد من القائمين على التحضير للمؤتمر، ولأسباب مهنية للبعض واستبعاد من قوى سياسية للبعض الآخر، غبنا عن هذا المؤتمر الهام الذي ثبت أهميته ومكانته قرار مجلس الأمن 2254. وفي هذا المؤتمر كان هناك تياران متعارضان، الأول مع عدم تكرار الأخطاء التي حدثت في مؤتمر القاهرة 2012، تحت رعاية الجامعة العربية، والتي سعى الإسلاميون وسفراء ما سمي “أصدقاء الشعب السوري”، لأن ينتهي المؤتمر بانعقاده وأصروا حتى على رفض تشكيل لجنة متابعة لمخرجات المؤتمر. طالب هذا التيار بضرورة انتخاب جسم سياسي مكلف بالنضال لتطبيق مخرجات المؤتمر وأيد ذلك الدكتور حبيب حداد والأستاذ مروان حبش والأستاذ حسين العودات ومعظم الأحزاب الكردية وتيار قمح . في حين وقف التيار الديمقراطي من الائتلاف وهيئة التنسيق الوطنية ضد ذلك وطالبوا بأن يكون دور لجنة المتابعة دورا إداريا وغير سياسي. بل قامت هيئة التنسيق بالتواصل مع قيادة الائتلاف بعقد اجتماعات جرت برعاية الاتحاد الأوربي جمعت الإخواني أحمد رمضان مع الشيوعي صفوان صفوان عكاش والناصري أحمد العسراوي، لإفشال ولادة أي جسم سياسي وطني مستقل القرار والإرادة. كان الاتحاد الأوربي في ورطة تفكك الائتلاف الذي اعتبره ممثلا شرعيا وحيدا لقوى المعارضة والثورة، وهمه الأساس، للأسف، أن لا يفشل المشروع الذي ولد في الدوحة. والذي على أساسه قطع علاقاته بكل من لم ينتسب للائتلاف. وكون مؤتمر القاهرة قد ضم أكثر من 28 حزبا ومنظمة أهلية وأهم الشخصيات الوطنية المستقلة، فقد شكل ذلك لتركيا وحليفها القطري والاتحاد الأوربي مصدر خطر. والجميع يذكر حملات التشويه والثلم الذي تعرض لها مؤتمر القاهرة من دول رفضت منذ 2011 أن يكون هناك معارضة وطنية مستقلة القرار واعتبرت أزلامها ممثلا للشعب السوري. بين من اعتبره أداة بيد الخارجية المصرية، بل وصل الأمر بأقلام شيوعية ويسارية صورته صفقة بيع للمعارضة الوطنية للمملكة العربية السعودية؟

كلفت المملكة العربية السعودية من مجموعة العمل من أجل سوريا في فيينا بعقد اجتماع لمختلف أطراف المعارضة السورية في الرياض. وقبل التحالف التركي-القطري بأن يكون الائتلاف جزءا من المعارضة وليس الممثل الوحيد لها، مقابل شرطين واضحين: الأول إبعاد أي طرف بعلاقة مع قسد والبي واي دي عن المؤتمر، والثاني: بقاء أغلبية المدعوين من الائتلاف والفصائل التابعة لغرفتي العمليات (الموم والموك). رفضنا هذه الشروط وطالبنا بمشاركة أكبر للشخصيات الوطنية البارزة مثل الأستاذ الكبير حسين العودات والدكتور حبيب حداد والدكتور وليد البني والأستاذ مروان حبش وقائمة من 18 عشر شخصية مدنية ووطنية وشبابية. وعند رفض الطلب أجرينا تصويتا داخليا على موضوع مشاركة من دعي من تيارنا الوطني الديمقراطي وهل يحضرون بعد رفض ما توافقنا عليه، جاءت نسبة التصويت بالمقاطعة من 85% من ألف مشارك وامتنع قسم عن التصويت وقلة كانت مع المشاركة.

كالعادة، احتاج الأمر لسنوات حتى يصل الديمقراطيون لقناعة بأن أي مؤتمر مشروط من خارج السوريين سيصل لطريق مسدود. وأن تسليم أغلبية في أي مؤتمر لغير المستقلي الإرادة والقرار، سيعيدنا لمهزلة تلاعبات “الائتلاف” الذي أصبح مجموعة “موظفين تحت الطلب” في خدمة المشروع التركي يحتفظون بخيوط طمئنة للجنة المصغرة بأنهم يعملون وفق سياساتها. وفي حقيقة الأمر، سيدهم الأول هو تركيا. وتفجرت الأمور عندما قرر الائتلاف، بعد احتراق كل أوراق نصر الحريري وضع الحريري مكان أنس العبدة والتصويت الأحادي الجانب للعبدة رئيسا للجنة التفاوضية. الأمر الذي تطلب موقفا واضحا من الخارجية السعودية بوقف دعم “اللجنة التفاوضية” حتى تتم تسوية معقولة لا يستفرد فيها المحور التركي- القطري بالقرار.

إذا كنا سنحتاج في كل مرة لثلاث سنوات لإقناع الدول والأطراف السورية بأن وفدا غير وازن ولا حضور له، لا في الميدان ولا في النضال اليومي للسوريين، لن يعمل لمصلحة الشعب السوري بل لمصلحة أسياده، فمتى يكون خلاصنا من أشكال الوصاية على المعارضات السورية؟

إنني أكتب اليوم، بحرقة وألم، على ما آلت إليه أوضاع  المعارضة السورية، وكيف تحول قطاع كبير منها لممثلين رسميين أو غير رسميين لهذه الدولة أو تلك، وجرى محاصرة وتهميش الأصوات الوطنية المستقلة القرار والإرادة. لكن هل يسمح هذا لنا بالفشل في التوحد والعمل المشترك من أجل مؤتمر وطني جامع لكل الأحرار ينجم عنه جسما سياسيا بصناعة سورية صرف، شاء من شاء وأبى من أبى..

هذا النداء أوجهه لكل من ناضل من أجل سيادة الوطن وكرامة المواطن وديمقراطية الدولة التي نناضل جميعا من أجلها.. إلى مشروع الميثاق الوطني السوري، الهيئة الوطنية السورية وزملائنا في التحضير للمؤتمر الوطني السوري، لنترك الخلافات الصغيرة والحساسيات غير المرئية ونناضل يدا بيد، حتى نتحرر، كمعارضة وطنية ديمقراطية، من وصاية الآخرين علينا. فلا يمكن النضال ضد الاستبداد والفساد والإرهاب والوصاية الخارجية، دون امتلاكنا معا لجسم سياسي واسع التمثيل يجمع كل الوطنيين السوريين في قوة سياسية ومدنية واحدة.