لقاء الدوحة التشاوري (سبتمبر 2011)

 أسامة الرفاعي //

منذ اجتماع الدوحة التشاوري للمعارضة السورية، صدرت روايات عديدة حتى أن الوقائع الحقيقية كادت تغيب. وبعد قرابة عشر سنوات، والخلافات والتبدلات في المواقف والمواقع، رأيت من المناسب الاتصال بخمسة من الحضور من مواقع وأهواء مختلفة للتثبت من المعلومات. اكتفى أحد المقيمين بالدوحة اليوم بالقول: رأي وملاحظات الدكتور عزمي بشارة يلخصها مقال باحث من حماه في مركز الدوحة بعنوان “أكاذيب هيثم مناع”. من جهته، أحد العاملين وقتئذ في مشروع مجلس اسطنبول “الانتقالي” (وهذا الاسم الأول الذي اقترح للمجلس الوطني السوري) أعطاني تصحيحات وتنقيحات أنوه لها باسم (الكاتب) لأنني تأكدت منها من عدة أشخاص. وحتى لا يتهمني “العزميون” بالعداء لهم، سأعتمد ما أورده موظف مركز الدوحة وأشير للأخطاء الذي وقع فيها قبل إعطاء أي من الشهادات الحديث:

وفق شهادة أحد موظفي مركز الدوحة (المعروف باسم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات): “ضمت قائمة المدعوين أكثر من 20 شخصية من الداخل والخارج (24 شخصية بالضبط- الكاتب)، أبرزهم، فايز سارة، عبد المجيد منجونة، رجاء الناصر، برهان غليون، أحمد رمضان، عبيدة نحاس، عبد الباسط سيدا، وائل ميرزا، حازم نهار، عماد الدين الرشيد (للدقة: فداء المجذوب هو الذي حضر وليس الرشيد- الكاتب)،  هيثم مناع، سمير نشار، منذر حلوم (للدقة جبر الشوفي كان حاضرا وليس منذر حلوم الذي غاب لأسباب قاهرة- الكاتب)، ضياء دغمش، حكم البابا، مروة الغميان، وناجي طيارة،  ومعاذ السباعي.. وآخرون. يضيف حمزة المصطفى، الموظف عند عزمي بشارة: وجهني الدكتور عزمي بشارة، لحظة وصولهم، بالسهر على راحتهم، ونبه علي عدم التدخل في النقاشات، إذ لا هدف لنا كمركز إلا توفير أرضية مناسبة، لكي تتعرّف النخب السورية على بعضها، وتكسر حاجز غياب الثقة بعد عقود الاستبداد والشتات. وبناءً عليه، لم يشارك أحد من المركز في الجلسات بداية، على الرغم من إلحاح النشطاء على حضور بشارة لإغناء النقاش، وهو ما حصل في بعض الجلسات لاحقًا (للدقة: وفق شهادات الحضور كان عزمي بشارة حاضرا في كل الجلسات من الأولى إلى الأخيرة، وتدخل في النقاشات لاحقا- الكاتب). “لا ريب في أن معرفه ما يجري في الجلسات لم يكن صعباً بالنسبة لي، من خلال الأحاديث الجانبية مع المدعوين، وكان ذلك، برأيي، نقطة سلبيّة رافقت المعارضة في جميع اجتماعاتها، إذ يستطيع المرء أن يعرف ما يدور في جلساتها من دون أن يحضرها. والمفارقة، أني كنت أحرص على الموجودين على عدم التشويش على الحوار الجاري، وطلبت منهم، أكثر من مرة، عدم تداول ما يجري في وسائل التواصل الاجتماعي، لا لشيء، ولكن لدرء انحراف النقاش إلى مكان آخر.(هذا صحيح، الأمر الذي لم يمنع إحدى المشاركات القادمة من الإمارات أن تغرد وأن تنقل تغريدات للحاضرين، حتى طلب أحد القادمين من اسطنبول صراحة عدم خروج النقاشات خارج اللقاء على الأقل حتى نهايته- الكاتب).

يكمل موظف عزمي مقالته: “في أثناء الجلستين، الأولى والثانية، طالبت بعض شخصيات المعارضة السورية بالانتقال من الجانب النظري إلى الجانب العملي، أي استغلال الحوار القائم للخروج برؤية موحدة حول ما يجب على المعارضة فعله. كانت هذه مبادرتهم بضغط من الشباب، ولم تكن مبادرة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وقد ركز الناشطون الحاضرون من الشباب على هذه النقطة، من أجل دفع المعارضة إلى التوحد في إطار تنظيمي، بهدف تلبية مطالب المحتجين الذين رفعوا شعاراتٍ تطالب المعارضة بالتوحد، وتقديم بديل عن النظام، من شأنه أن يسرع في تحقيق أهداف الثورة. وعلى الفور، شكلت لجنة شارك فيها ممثلون عن جميع الأطراف السياسية (هيئة التنسيق، التيار الإسلامي المستقل، مجموعة العمل الوطني، إعلان دمشق، الناشطون) لصياغة بيان توافقي بين جميع الأطراف، واستمرت المناقشات حول البيان زهاء يومين. أذكر حينها أن بعض الحاضرين تساءل عن إمكانية تمديد اللقاء مدة أطول، حتى يتسنى للمشاركين استغلال الفرصة والوصول إلى توافق شامل على مختلف النقاط الإشكاليّة، فكان ردي أن الجهة المنظمة لن تمانع في تهيئة أي ظروف لإنجاح هذا اللقاء. وبعد نقاشات مطولة، توصل المشاركون إلى توافق على رؤية عامة، ترجمت في بيانٍ دعا إلى إسقاط النظام برموزه كافة، ورفض الحوار معه، والانحياز الكامل للثورة، وتشكيل ائتلاف وطني مصغر ومفتوح لجميع القوى السياسية المعارضة، وقيام هذا الائتلاف السياسي الأكبر في تاريخ سورية بالتحضير لعقد مؤتمر وطني، تدعى إليه الشخصيات المستقلة والنشطاء وشباب الثورة وممثلون عن المؤتمرات التي عقدت والمبادرات التي أعلنت، للوصول إلى تشكيل مجلس وطني. لكن مجموعة العمل الوطني التي تشكلت في إسطنبول (عبد الباسط سيدا، عبيدة النحاس، أحمد رمضان، عماد الدين الرشيد) عادت ورفضت الانضمام للائتلاف، بعد التوافق على أفكاره السياسية، لأن هذه المجموعة أوضحت رغبتها بمجلس وطني لا ائتلاف سياسي، على الرغم من أن الكلام الأخير لعدد من مجموعة إسطنبول كان الموافقة على الانضمام للائتلاف، شريطة نسبة محددة من المقاعد في قيادته. وبرزت هنا مشكلة المحاصصة التي لازمت المعارضة السورية في حراكها خلال الثورة. كما برز في الاجتماع عدم توافق بين هذه المجموعة ومجموعة هيئة التنسيق الوطنية، بخصوص النبرة السياسية، وإصرار الهيئة على أن تكون القيادة للداخل.“(نكرر الملاحظة أعلاه بأن عماد الدين الرشيد لم يكن حاضرا، وأيضا لم تطرح مسألة المحاصصة من أحد مع صحة القول بأن ممثلي هيئة التنسيق أصروا على أن تكون الرئاسة وأكثر من نصف القيادة في الداخل ولو اضطرت للعمل السري لأن النضال من الخارج له سلبيتان: الخضوع لضغوط الدولة المضيفة وثانيا الابتعاد عن الحراك الشعبي الحقيقي. الكاتب)

بعد هذا يدخل موظف عزمي في الشطط المعروف لأبواق الدوحة في تشويه صورة هيثم مناع، سألت مناع عن القصة التي يتحدث عنها حمزة المصطفى وموضوع “إدماجه في الحكومة ومنحه منصب وزير أو رئيس وزراء. أجاب: ” في اجتماع الدوحة كنت مازلت المتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان ولا يحق لي أي منصب سياسي في الحكومة أو المعارضة. لذلك اعتذرت قبلها عن رئاسة فرع المهجر لهيئة التنسيق الوطنية واقترحت على حسين العودات برهان غليون أو سمير عيطة. حتى الانتخابات التي حصلت في مؤتمر هيئة التنسيق الأول في المهجر، حصلت على أعلى الأصوات فانتخبت رئيسا دون ترشيحي لنفسي، مما اضطرني للاستقالة من أي موقع مسؤول في اللجنة العربية لحقوق الإنسان وبقيت عضوا عاديا، صحيح بعد عام من ذلك، وبعد بيان جنيف بشهر تقريبا، أعلمني أصدقاء في  المؤتمر القومي العربي والدكتور خير الدين حسيب شخصيا، بأن الخارجية الروسية ستضغط لتشكيل حكومة إنقاذ وطني وأن اسمي مطروح لتشكيلها، فقلت له: لا يمكن أن يقود حكومة الإنقاذ هذه شخص لم يضع قدميه في سوريا في أربعين عاما سوى أربعين يوما، ورفضت الحديث في الموضوع مع نائب وزير الخارجية فيرشينين في لاهاي.. من جهة ثانية الاجتماع الذي نوقش فيه أسماء لجنة للمتابعة لم أحضره عمدا، وبقيت في غرفتي في الفندق مع صديق لأخي الشهيد معن جاء لزيارتي…  مساكين موظفي عزمي، موظف عند موظف عند موظف في الديوان الأميري، الله يساعده”.

يكمل موظف عزمي بشارة روايته قائلا: ” أيّاً يكن، نجح المشاركون، وعلى الرغم من الاستعراض والمناكفات المنّاعية في التوافق على بيان عام، يتبنى شعارات الثورة وأهدافها بإسقاط النظام وإقامة الدولة الديمقراطيّة على أساس المواطنة الجامعة، وبقي النقاش دائراً حول الإطار التنظيمي، لوضع البيان موضع التنفيذ. لذلك، كان لا بد من توسيع المشاركة، لتشمل قوى سياسية لم تكن حاضرة. وعلى هذا الأساس، دعي “الإخوان المسلمون”، والذين لبوا سريعا الدعوة، وأرسلوا وفداً من ثلاثة أشخاص، برئاسة فاروق طيفور، إلى جانب منير الغضبان وملهم الدروبي. لم يشارك الإخوان” في جميع النقاشات، اطلعوا سريعا على البيان ودرسوه في وقتها، واستمعوا لشرح من برهان غليون عن الائتلاف، وأبدوا استعدادهم للتوقيع على البيان، من دون إدخال أية تعديلات. ووافقوا أيضا على الدخول في الائتلاف، في حال اتخذت القوى الأخرى موقفاً نهائيّاً بالمشاركة فيه. وبناء عليه، حصل، ولأول مرة في تاريخ سورية، توافق أوليّ بين الكتل التالية؛ هيئة التنسيق، الإخوان المسلمين، المستقلين، نشطاء، وإعلان دمشق، ومجموعة العمل الوطني. لكن أعضاء مجموعة العمل الوطني انسحبوا مجدداً، وغادر بعضهم الفندق، من دون إبلاغ المنظمين. التقيت مصادفة بالدكتور عماد الدين الرشيد، وكان يهم بالخروج من الفندق. سألته عن تحفظاته على التوقيع وإضاعة الفرصة على توافق شامل للمعارضة لأول مرة، خصوصاً وأن القوى الأخرى، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، أعلنت موافقتها. أجابني رشيد بالتالي: أخي حمزة، جهودكم تشكر، ومبادرتكم مقدرة. لكن، يجب أن نكون واقعيين. البيان في واد والثورة والتفاعلات الدولية في واد آخر. طلبت منه إيضاحاً أكثر، فتابع كلامه بالآتي: طرحنا فكرة تشكيل مجلس وطني، وهي فكرة ملحة، فالنظام قد يسقط في أي وقت، ولا بد من سد الفراغ في الحكم، كما جرى في ليبيا. أجبته: في ليبيا، حصل تدخل عسكريّ أسقط النظام، وهذا قد لا يحدث في سورية، وقد يطول انتصار الثورة، ولا بد من إقناع العالم بأن هناك بديلاً عن النظام، من خلال تشكيل واجهة سياسية، تعبر عن مبادئ الثورة وأهدافها. قال لي؛ التدخل العسكري قادم لا محالة، ومن المرجح أن يكون أواخر عام 2011، ويجب أن نكون جاهزين.

هنا يخلط الباحث الشاب عباس بدباس، فقد غادر معظم المجتمعين الدوحة قبل وصول أي إخواني والذي التقى بالإخوان المسلمين هو برهان غليون. أما قصة عماد الدين الرشيد فقد حدثت ولكن لا علاقة لها بالاجتماع، لأن الرشيد جاء للدوحة بعد سفر كل المشاركين في اجتماع الدوحة، ولأنه لم يشارك البتة في الاجتماع بل أرسل كما ذكرنا فداء المجذوب.

وفق شهادة مؤسس رئيس في المجلس الوطني (عبيدة النحاس) قدمها لكركدن.نت : كان برهان غليون موافقا على فكرة مجلس وطني سوري منذ فشل مؤتمر الإنقاذ، ولهذا فقد تفاجأ الستة القادمين من اسطنبول، الذين حضروا اجتماع الدوحة في مطلع سبتمبر 2011 من انحيازه لفكرة ائتلاف وطني سوري التي تم التوافق عليها. كذلك الأمر بالنسبة لحازم نهار الذي حضر لاسطنبول في 19-20 آب/أغسطس، والذي طلب منه أحمد رمضان أن يكتب مسودة البيان للمجلس ثم تجري مراجعتها”…

تنكر هيئة التنسيق الوطنية معرفتها بالأمر وأعلمني قيادي فيها أن “برهان غليون كان نائب المنسق العام حسن عبد العظيم في المهجر، ومازالت مقابلته على الجزيرة على اليوتوب وهو يقول أن اختياره  لهذه المهمة أمر طبيعي لتمثيل هيئة التنسيق في الخارج، وفي اجتماع الدوحة قدم نفسه كهيئة تنسيق وإعلان دمشق ولم نكن نعرف بعلاقته المبكرة مع مجموعتي اسطنبول ولم يظهر ذلك في اجتماع الدوحة. أما مهمة حازم نهار فكانت الحوار من مجموعات اسطنبول وإعلان دمشق للالتحاق بهيئة التنسيق، وبأضعف الإيمان التوصل إلى صيغة عمل مشتركة تجنبا لبعثرة المعارضة، ثم ترك الهيئة واشتغل لحسابه مع الدوحة عبر عزمي“.   يؤكد أحد المؤسسين للمجلس، أن الطرفين التركي والفرنسي كانا على قناعة تامة بضرورة المشروع وكذلك هيلاري كلنتون  لهذا شاركنا في اجتماع الدوحة لمعرفة إذا ما كان الاجتماع مجرد مبادرة أو تيست من الجانب القطري لإمكانية تنظيم المعارضة من قطر، أم مبادرة من عزمي بشارة لتوضيح صورة أوضاع المعارضة للديوان الأميري؟ وقد فهمنا من مسؤول قطري مهم أثناء وجودنا في الدوحة أن الأمر لا يتعدى مبادرة من عزمي، لذا صوتنا ضدها ولم نتابع الأمر البتة بعد مغادرتنا قطر“.

الحقيقة أن اجتماع الدوحة، كان أول جمع بين من تبقى من إعلان دمشق ورفض مبادرة قيام هيئة التنسيق مع من أيد قيام هيئة التنسيق. إلا أن من الواضح فيه تغييب الشخصيات غير العربية تركمانية وكردية وسريانية (باستثناء عبد الباسط سيدا المحدود الدور والأهمية في الأحزاب الكردية). كذلك كانت فرصة لحوار أوضح المواقف، ليس بشأن “التغيير الوطني الديمقراطي الجذري وإسقاط النظام بكافة رموزه ومرتكزاته” التي أصبحت شعارا لهيئة التنسيق، وإنما للموقف من التدخل الخارجي وبناء المعارضة في الخارج والخطاب المذهبي وقضية العنف السياسي. ورغم أن من كان مع مذهبة الصراع والعنف رفض التوقيع أو المتابعة منذ البداية لأي مشروع ائتلاف وطني جامع، إلا أن هذا الاجتماع كشف عن مدى قصر النظر عند البعض، وسهولة كسبهم بعد الاجتماع من قبل مجموعة اسطنبول أو ما أصبح يعرف “بأصحاب السيناريو الليبي”. وكيف هرولوا إلى اسطنبول للإعلان عن مجلس “وطني”.

علما بأنه في الكواليس، تمت عملية اقناع عدد من القادمين من دمشق بعدم العودة والبقاء في الخارج. وهؤلاء انضموا لمجلس اسطنبول وقتها ثم انتهت مدة صلاحيتهم مع المجلس، وهم مازالوا حتى اليوم موزعين بين اسطنبول والدوحة وأوربة.