إسهامات من أجل دستور جديد لسوريا

وحدة الدراسات في لجنة مؤتمر القاهرة

1-  مواد أساسية للدستور السوري (رسالة جماعية)

بعد محاضرات تدريبية نظمها المعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان والشبكة السورية لانتخابات حرة ونزيهة لأكثر من عشر ساعات شارك فيها الدكتور هيثم مناع والدكتور حسان فرج والدكتور محمد الشاكر و120 مشاركا ومشاركة من داخل وخارج سوريا، وأخذا بعين الإعتبار ملاحظات هامة لعدد كبير من المختصين والمتابعين للملف الدستوري، قام المؤتمر الوطني الديمقراطي السوري والمعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان والشبكة السورية لانتخابات حرة ونزيهة بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة وممثل لجنة القاهرة الأستاذ قاسم الخطيب والرئيس المشترك للجنة الدستورية الأستاذ هادي البحرة ومنصة موسكو وشخصيات من المجتمع المدني في اللجنة الدستورية ودول هامة معنية بالملف السوري. فيما يلي نص الرسالة التي أرسلت في 26/08/2020 :

مقترحات مقدمة من الحقوقيين والدستوريين في المؤتمر الوطني الديمقراطي السوري ومؤتمر القاهرة والمعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان والشبكة السورية لانتخابات حرة ونزيهة

الأخوة والأخوات أعضاء اللجنة الدستورية

الفريق الأممي الخاص (سوريا)

تشكلت اللجنة الدستورية بعد مخرجات مؤتمر سوتشي للحوار الوطني السوري. وكان أملنا وضع حد لحالة الموات في العملية السياسية عبر التوافق على سلة انطلاق مشتركة، ورغم إبعاد قطاع وطني ديمقراطي كبير عنها، وعدد من خيرة الخبراء الدستوريين السوريين، لم نقف موقفا سلبيا، لأننا نعتقد بأن الحل السياسي وفق قرارات الأمم المتحدة ليس فقط الحل الوحيد المتوفر لفك حالات الاستعصاء السائدة، وإنما أيضا، لأنه برأينا الفرصة الأخيرة لبقاء سوريا دولة موحدة لا طائفية ذات سيادة.

في الميدان، تسعى أطراف عديدة لإقامة كيانات ذات صبغة إيديولوجية، قومية أو دينية، وهي تعمل على جعل وجودها أمرا واقعا. وضمن الصراعات الإقليمية والدولية، تتحول مشاريعها الكارثية إلى فرضيات مدمرة لوحدة الشعب الواحد والوطن المشترك. في حين ثمة من يماطل وآخر يعطل في عمل اللجنة الدستورية.

لا يوجد مبرر واحد لعدم إنجاز مهمة كتابة دستور وطني للبلاد. اللهم إلا إذا كان هناك من لا يريد رؤية سوريا جمهورية مدنية حرة ذات سيادة. إن أي تأجيل في مهمتكم يعني اتفاقا ضمنيا أو علنيا على عدم إنجازها. ولن يرحم الشعب السوري والتاريخ من يشارك في فشل كهذا.

نتقدم لكم بمواد دستورية أساسية نعرف بأن أكثر من 90 بالمئة منكم متوافق عليها، ونتمنى أن تشكل المادة الصلبة لانطلاقة توافق وطني واسع. نتمنى قراءتها بعناية وجدية. فالتوافق عليها يعني أنكم قد تخطيتم العقبات المحتملة لتوافق وطني على الدستور السوري.

إن عدم الذهاب جديا إلى صياغة نقاط التوافق الأساسية يعني أن هناك من هو في اللجنة لتعطيل عملها.. لكن ليعلم الجميع  أننا لم نعد في مرحلة رابح وخاسر، وإنما في وضعية خاسر-خاسر للجميع

لنخرج من النزاعات الإقليمية والدولية ونقف لحظة مع أنفسنا كسوريين.. عندها لن نحتاج إلى أشهر أخرى لكتابة عقد اجتماعي جامع لكل السوريين.

المسؤولية كبيرة، وعدم إدراك أن تأخير أي استحقاق سوري يعني خنجرا آخر في الخارطة الوطنية السورية والوحدة والسيادة،  يعني أن هناك من لا يهمه استمرار الدولة السورية بحدودها الدولية المعترف عليها، ولا يعنيه بحال احترام قرارات الشرعية الدولية الخاصة بسوريا.

باسم المسؤولية الوطنية، نتوجه لكم بهذه المقترحات علها تشكل أساسا مشتركا لإنجاز دستور وطني سوري في أقرب أجل ممكن.

مع تحياتنا

ديباجة ومواد دستورية أساسية

  • اعتزازا بنضال الشعب السوري من أجل الاستقلال والتحرر وبناء دولة قانون ومواطنة، دولة ذات سيادة، تكفل كرامة مواطنيها وحقوقهم وحرياتهم، وفاءً لدماء شهدائنا الأبرار ولتضحيات كل السوريين على مرّ الأجيال، وقطعا مع الظلم والحيف والفساد.
  • وتأسيسا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، في إطار دولة مدنية السيادة فيها للشعب عبر التداول السلمي على الحكم عبر انتخابات حرة ونزيهة، وعلى مبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها، ويكون فيه حقُّ التنظّمِ القائمِ على التعددية، وحيادُ الإدارة، والحكمُ الرشيد هي أساسَ التنافس السياسي، وتضمن فيه الدولة علوية القانون واحترام الحريات وحقوق الإنسان واستقلالية القضاء والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات والعدل بين الجهات.
  • انتصارا للمظلومين في كلّ مكان، ولحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، ولحركات التحرر العادلة، ومناهضة لكلّ أشكال الاحتلال والعنصرية والمذهبية السياسية والعنف، ووعيا بضرورة المساهمة في سلامة المناخ والحفاظ على البيئة سليمةً بما يضمن استدامة مواردنا الطبيعية واستمرارية الحياة الآمنة للأجيال القادمة.
  • وتحقيقا لإرادة الشعب في أن يكون صانعا لتاريخه، مؤمنا بأن العلم والعمل والإبداع قيم إنسانية سامية، ساعيا إلى الريادة، متطلعا إلى الإضافة الحضارية، وذلك على أساس استقلال القرار الوطني، والسلم العالمي، والتضامن الإنساني، نجتمع على هذا الدستور عقدا اجتماعيا للشعب السوري

– سوريا دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون.

– الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات، يمارسها بواسطة ممثليه المنتخبين أو عبر الاستفتاء.

– تكفل الدّولة حريّة المعتقد والضّمير وممارسة الشّعائر الدّينيّة، وهي ضامنة لحياد دور العبادة عن التّوظيف الحزبي. تلتزم الدّولة بنشر قيم الاعتدال والتّسامح وحماية المقدّسات ومنع النّيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التّكفير والتّحريض على الكراهية والعنف وبالتّصدّي لها.

– المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز. تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامّة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم.

– الحق في الحياة مقدس، لا يجوز المساس به.

– تحمي الدولة كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد، أي سلامة النفس والجسد لجميع الأشخاص الذين يعيشون على أرضها، وتمنع جميع أشكال التعذيب المعنوي والمادي. ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم.

– تحمي الدولة الحياة الخاصة، وحرمة المسكن، وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية. لكل مواطن الحرية في اختيار مقر إقامته وفي التنقل داخل الوطن وله الحق في مغادرته.

–سحب الجنسية السورية محظور. من أي مواطن أو تغريبه أو تسليمه أو منعه من العودة إلى الوطن.

– حق اللجوء السياسي مضمون وفق القانون، ويحظر تسليم المتمتعين باللجوء السياسي.

– المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع.

– العقوبة شخصية، ولا تكون إلا بمقتضى نص قانوني سابق الوضع، عدا حالة النص الأرفق بالمتهم.

– لا يمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلا في حالة التلبس أو بقرار قضائي، ويعلم فورا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة إليه، وله الحق في توكيل محام للدفاع. وتحدد مدة الإيقاف والاحتفاظ بقانون.

– لكل سجين الحق في معاملة إنسانية تحفظ كرامته. تراعي الدولة في تنفيذ العقوبات السالبة للحرية مصلحة الأسرة، وتعمل على إعادة تأهيل السجين وإدماجه في المجتمع.

– حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة. لا يمكن ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات، وتشرف هيئة رقابية مستقلة على نزاهة الإعلام المكتوب والسمعي البصري.

– تضمن الدولة الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة. تسعى الدولة إلى ضمان الحق في النفاذ إلى شبكات الاتصال.

– الحريات الأكاديمية وحرية البحث العلمي مضمونة. توفر الدولة الإمكانيات اللازمة لتطوير البحث العلمي والتكنولوجي.

– حقوق الانتخابات والاقتراع والترشح مضمونة طبق ما يضبطه القانون الانتخابي. تشرف الهيئة العليا المستقلة لانتخابات حرة ونزيهة على العمليات الانتخابية، ويضمن القانون الانتخابي تمثيلية المرأة في المجالس المنتخبة.
– حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات مضمونة بعلم وخبر. تلتزم الأحزاب والنقابات والجمعيات في أنظمتها الأساسية وفي أنشطتها بأحكام الدستور والقانون وبالشفافية المالية ونبذ العنف.

– الحق النقابي بما في ذلك حق الإضراب مضمون. ولا ينطبق هذا الحق على الجيش الوطني. ولا يشمل حق الإضراب قوّات الأمن الدّاخلي.

– حرية الاجتماع والتظاهر السلميـين مضمونة.

– الصحة حق لكل إنسان. تضمن الدولة الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن وتوّفر الإمكانيات الضرورية لضمان السلامة وجودة الخدمات الصحية.  تضمن الدولة العلاج المجاني لفاقدي السند، ومعاقي الحرب وذوي الدخل المحدود. وتضمن الحق في التغطية الاجتماعية طبق ما ينظمه القانون.

– التعليم إلزامي إلى سن السادسة عشرة. تضمن الدولة الحق في التعليم العمومي المجاني بكامل مراحله، وتسعى إلى توفير الإمكانيات الضرورية لتحقيق جودة التربية والتعليم والتكوين .

– العمل حق لكل مواطن ومواطنة، وتتخذ الدولة التدابير الضرورية لضمانه على أساس الكفاءة والإختصاص والإنصاف. ولكل مواطن ومواطنة الحق في العمل في ظروف لائقة وبأجر عادل.
– حق الملكية يحميه القانون، ولا يمكن النيل منه إلا في الحالات وبالضمانات التي يضبطها. الملكية الفكرية مصانة.

– الحق في الثقافة مضمون. حرية الإبداع مضمونة، وتشجع الدولة الإبداع الثقافي، وتدعم الثقافة الوطنية في تأصلها وتنوعها وتجددها، بما يكرس قيم التسامح ونبذ العنف والتعريف بالثقافات الوطنية كذلك مختلف الثقافات والحوار بين الحضارات. تحمي الدولة الموروث الثقافي وتضمن حق الأجيال القادمة فيه.

– تدعم الدولة الرياضة، وتسعى إلى توفير الإمكانيات اللازمة لممارسة الأنشطة الرياضية والترفيهية.

– الحق في الماء مضمون. المحافظة على الماء وترشيد استغلاله واجب على الدولة والمجتمع.

– تضمن الدولة الحق في بيئة سليمة ومتوازنة والمساهمة في سلامة المناخ. وعلى الدولة توفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوث البيئي.

– تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتدعم مكاسبها وتعمل على تطويرها. تضمن الدّولة تكافؤ الفرص بين الرّجل والمرأة في تحمّل مختلف المسؤوليّات وفي جميع المجالات. تسعى الدّولة إلى تحقيق التّناصف بين المرأة و الرّجل في المجالس المنتخبة. تتّخذ الدّولة التّدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضدّ المرأة.

– حقوق الطفل على أبويه وعلى الدولة ضمان الكرامة والصحة والرعاية والتربية والتعليم. على الدولة توفير جميع أنواع الحماية لكل الأطفال دون تمييز ووفق اتفاقية حقوق الطفل.

– تحمي الدّولة الأشخاص ذوي الإعاقة من كلّ تمييز. لكلّ مواطن ذي إعاقة الحق في الانتفاع، حسب طبيعة إعاقته، بكلّ التّدابير التّي تضمن له الاندماج الكامل في المجتمع. وعلى الدّولة اتّخاذ جميع الإجراءات الضّروريّة لتحقيق ذلك.

– يحدّد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها. وتتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك. – لا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور.

– يتمتع مجلس نواب الشعب بالاستقلالية الإدارية والمالية في إطار ميزانية الدولة. يضبط مجلس نواب الشعب نظامه الداخلي ويصادق عليه بالأغلبية المطلقة لأعضائه.
تضع الدولة على ذمة المجلس الموارد البشرية والمادية اللازمة لحسن أداء النائب لمهامه.

– الترشح لعضوية مجلس نواب الشعب حق لكل ناخب سوري الجنسية منذ عشر سنوات على الأقل، بلغ من العمر ثلاثا وعشرين سنة كاملة يوم تقديم ترشحه، شرط أن لا يكون مشمولا بأي صورة من صور الحرمان التي يضبطها القانون.

– يعد ناخبا كل مواطن سوري الجنسية بلغ من العمر ثماني عشرة سنة كاملة وفق الشروط التي يحددها القانون الانتخابي.
– يُنتخب أعضاء مجلس نواب الشعب انتخابا عاما، حرا، مباشرا، سريا، نزيها، وشفافا، وفق القانون الانتخابي. يضمن القانون الانتخابي حق الانتخاب والتمثيلية للسوريين بالخارج في مجلس نواب الشعب.

– يُنتخب مجلس نواب الشعب لمدة خمس سنوات خلال الأيام الستين الأخيرة من المدة النيابية. إذا تعذر إجراء الانتخابات بسبب خطر داهم فإن مدة المجلس تمدد بقانون.

– رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور.

– المقر الرسمي لرئاسة الجمهورية دمشق العاصمة، ويمكن في الظروف الاستثنائية أن ينقل إلى أي مكان آخر من تراب الجمهورية.

– الترشح لمنصب رئيس الجمهورية حق لكل ناخبة أو ناخب سوري الجنسية. يشترط في المترشح يوم تقديم ترشحه أن يكون بالغا من العمر خمسا وثلاثين سنة على الأقل.

وإذا كان حاملا لجنسية غير الجنسية السورية فإنه يقدم ضمن ملف ترشحه تعهدا بالتخلي عن الجنسية الأخرى عند التصريح بانتخابه رئيسا للجمهورية.

– ينتخب رئيس الجمهورية لمدة خمسة أعوام خلال الأيام الستين الأخيرة من المدة الرئاسية انتخابا عاما حرا مباشرا سريا نزيها وشفافا وبالأغلبية المطلقة للأصوات المصرح بها.

وفي حال عدم حصول أي من المترشحِين على الأغلبية المطلقة في الدورة الأولى، تنظم دورة ثانية خلال الأسبوعين التاليين للإعلان عن النتائج النهائية للدورة الأولى، ويتقدم للدورة الثانية المترشّحان المحرزان على أكثر عدد من الأصوات في الدورة الأولى.

– يتولّى رئيس الجمهورية تمثيل الدولة ويختص برسم السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة.

كما يتولّى:

– حلّ مجلس نواب الشعب في الحالات التي ينصّ عليها الدستور، ولا يجوز حل المجلس خلال الأشهر الستة التي تلي نيل أول حكومة ثقة المجلس بعد الانتخابات التشريعية أو خلال الأشهر الستة الأخيرة من المدة الرئاسية أو المدة النيابية.

–رئاسة مجلس الأمن القومي ويدعى إليه رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب.
– القيادة العليا للقوات المسلحة.

– إعلان الحرب وإبرام السلم بعد موافقة مجلس نواب الشعب بأغلبية ثلاثة أخماس أعضائه، وإرسال قوات إلى الخارج بموافقة رئيسي مجلس نواب الشعب والحكومة، على أن ينعقد المجلس للبت في الأمر خلال أجل لا يتجاوز ستين يوما من تاريخ قرار إرسال القوات.
– اتخاذ التدابير التي تحتمها الحالة الاستثنائية، والإعلان عنها بعد قرار من الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس نواب الشعب بذلك.

– المصادقة على المعاهدات والإذن بنشرها.
– إسناد الأوسمة.
– العفو الخاص.

– يتولى رئيس الجمهورية بأوامر رئاسية:
– تعيين وإعفاء مفتي الجمهورية.
– التعيينات والإعفاءات في الوظائف العليا برئاسة الجمهورية والمؤسسات التابعة لها، وتضبط هذه الوظائف العليا بقانون.

– التعيينات والإعفاءات في الوظائف العليا العسكرية والدبلوماسية والمتعلقة بالأمن القومي بعد استشارة رئيس الحكومة. وتضبط هذه الوظائف العليا بقانون.

– تعيين محافظ البنك المركزي باقتراح من رئيس الحكومة، وبعد مصادقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس نواب الشعب. ويتمّ إعفاؤه بنفس الصيغة أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس نواب الشعب ومصادقة الأغلبية المطلقة من الأعضاء.

– لرئيس الجمهورية إذا تعذر عليه القيام بمهامه بصفة وقتية أن يفوض سلطاته إلى رئيس الحكومة لمدة لا تزيد عن ثلاثين يوما قابلة للتجديد مرة واحدة. ويعلم رئيس الجمهورية رئيس مجلس نواب الشعب بتفويضه المؤقت لسلطاته.

– عند الشغور الوقتي لمنصب رئيس الجمهورية، لأسباب تحول دون تفويضه سلطاته، تجتمع المحكمة الدستورية فورا، وتقر الشغور الوقتي، فيحل رئيس مجلس النواب محل رئيس الجمهورية. ولا يمكن أن تتجاوز مدة الشغور الوقتي ستين يوما.

-يُمنع الجمع بين عضوية الحكومة وعضوية مجلس نواب الشعب، ويضبط القانون الانتخابي كيفية سدّ الشغور. ولا يجوز لرئيس الحكومة ولا لأعضائها ممارسة أية مهنة أخرى.

  – القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل، وعلوية الدستور، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات. القاضي مستقل لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون.
– يشترط في القاضي الكفاءة. ويجب عليه الالتزام بالحياد والنزاهة، وكلّ إخلال منه في أدائه لواجباته موجب للمساءلة.

– يتمتع القاضي بحصانة جزائية، ولا يمكن تتبعه أو إيقافه ما لم ترفع عنه، وفي حالة التلبس بجريمة يجوز إيقافه وإعلام مجلس القضاء الراجع إليه بالنظر الذي يبت في مطلب رفع الحصانة.– المحاماة مهنة حرة مستقلة تشارك في إقامة العدل والدفاع عن الحقوق والحريات. يتمتع المحامي بالضمانات القانونية التي تكفل حمايته وتمكنه من تأدية مهامه.

–الجيش الوطني الواحد وقوات الأمن الوطني ضمان السيادة والوحدة الوطنية.  عقيدة الجيش الوطن، بعيدا عن الانتماءات الإيديولوجية والحزبية والفئوية. يحتكر حمل السلاح واستعماله في عموم الأراضي السورية وكل تنظيم مسلح خارج المؤسسة العسكرية يعتبرخروجا على القوانين والصالح العام.

  – الجيش الوطني جيش جمهوري  وهو قوة عسكرية مسلحة قائمة على الانضباط، مؤلفة ومنظمة هيكليا طبق القانون، ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، وهو ملزم بالحياد التام. ويدعم الجيش الوطني السلطات المدنية وفق ما يضبطه القانون.

– الأمن الوطني أمن جمهوري قواته مكلفة بحفظ الأمن، والنظام العام، وحماية الأفراد والمؤسسات والممتلكات، وإنفاذ القانون، في كنف احترام مبادئ حقوق الإنسان الأساسية والدستور، وفي إطار الحياد التامّ.

الهيئات الدستورية المستقلة

– تعمل الهيئات الدستورية المستقلة على دعم الديمقراطية. وعلى كافة مؤسسات الدولة تيسير عملها. تتمتع هذه الهيئات بالشخصية القانونية والاستقلالية الإدارية والمالية، وتُنتخب من قبل مجلس نواب الشعب بأغلبية معززة، وترفع إليه تقريرا سنويا يناقش بالنسبة إلى كل هيئة في جلسة عامة مخصصة للغرض. يضبط القانون تركيبة هذه الهيئات والتمثيل فيها وطرق انتخابها وتنظيمها وسبل مساءلتها.

الهيئة المستقلة لانتخابات حرة ونزيهة

– تتولى هيئة الانتخابات، وتسمى “الهيئة العليا المستقلة للانتخابات”، إدارة الانتخابات والاستفتاءات وتنظيمها، والإشراف عليها في جميع مراحلها، وتضمن سلامة المسار الانتخابي ونزاهته وشفافيّته، وتصرّح بالنتائج. تتمتع الهيئة بالسلطة الترتيبية في مجال اختصاصها. تتركب الهيئة من تسعة أعضاء مستقلين محايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة، يباشرون مهامهم لفترة واحدة، مدّتها ستّ سنوات، ويجدّد ثلث أعضائها كل سنتين.

هيئة الاتصال السمعي البصري

– تتولى هيئة الاتصال السمعي البصري تعديل قطاع الاتصال السمعي البصري، وتطويره، وتسهر على ضمان حرية التعبير والإعلام، وعلى ضمان إعلام تعددي نزيه.

تتمتع الهيئة بسلطة ترتيبية في مجال اختصاصها وتُستشار وجوبا في مشاريع القوانين المتصلة بهذا المجال. تتكون الهيئة من تسعة أعضاء مستقلين محايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة، يباشرون مهامهم لفترة واحدة مدتها ست سنوات، ويجدّد ثلث أعضائها كل سنتين.

الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان

– تراقب الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان احترام الحريات وحقوق الإنسان، وتعمل على تعزيزها، وتقترح ما تراه لتطوير منظومة حقوق الإنسان، وتُستشار وجوبا في مشاريع القوانين المتصلة بمجال اختصاصها.
تحقق الهيئة في حالات انتهاك حقوق الإنسان لتسويتها أو إحالتها على الجهات المعنية. تتكون الهيئة من أعضاء مستقلين محايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة ومندوب من وزارة الداخلية ومندوب من وزارة العدل، يباشرون مهامهم لفترة واحدة مدتها ستّ سنوات.

هيئة البناء والتنمية المستدامة

  – تُستشار هيئة التنمية المستدامة وجوبا في مشاريع القوانين المتعلقة بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وفي مخططات إعادة بناء البنيات التحتية ومختلف مشاريع التنمية. وللهيئة أن تبدي رأيها في المسائل المتصلة بمجال اختصاصه.  تتكون الهيئة من أعضاء من ذوي الكفاءة والنزاهة، يباشرون مهامهم لفترة واحدة مدتها ستّ سنوات.

– هيئة الشفافية  ومكافحة الفساد

– تسهم هيئة الشفافية ومكافحة الفساد في سياسات الحوكمة الرشيدة ومنع الفساد ومكافحته ومتابعة تنفيذها ونشر ثقافتها، وتعزّز مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة.

تتولى الهيئة رصد حالات الفساد في القطاعين العام والخاص، والتقصي فيها، والتحقق منها، وإحالتها على الجهات المعنية. تستشار الهيئة وجوبا في مشاريع القوانين المتصلة بمجال اختصاصها.

للهيئة أن تبدي رأيها في النصوص الترتيبية العامة المتصلة بمجال اختصاصها. تتكون الهيئة من أعضاء مستقلين محايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة، يباشرون مهامهم لفترة واحدة مدّتها ستّ سنوات، ويجدّد ثلث أعضائها كل سنتين.

– هيئة العدالة والإنصاف وجبر الضرر

تتشكل هيئة العدالة والإنصاف وجبر الضرر من حقوقيين وقضاة مشهود لهم بالنزاهة والخبرة والحياد. وهذه الهيئة مكلفة بمتابعة كل ملفات المظالم والجرائم الواقعة في السنوات العشر الأخيرة ، ولا يقبل المس في صلاحياتها بكل ما يتعلق بالدفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو وقوع الجرم خارج أراضي البلاد  أو بحجية اتصال القضاء أو بسقوط الجريمة أو العقاب بمرور الزمن

السلطات المحلية

– تقوم السلطة المحلية على أساس اللا مركزية الإدراية. وتتجسد اللا مركزية في نظام المحافظات، تتكون من بلديات منتخبة، يغطي كل صنف منها كامل تراب الجمهورية وفق تقسيم يضبطه القانون.

– تتمتع الإدارات المحلية بالشخصية القانونية، وبالاستقلالية الإدارية والمالية، وتدير المصالح المحلية وفقا لمبدأ التدبير الحر.

– تدير الإدارات المحلية مجالس منتخبة. تنتخب المجالس البلدية انتخابا عاما حرا مباشرا سريا نزيها وشفافا.

– تتمتع الإدارات المحلية بصلاحيات ذاتية وصلاحيات مشتركة مع السلطة المركزية وصلاحيات منقولة منها. توزع الصلاحيات المشتركة والصلاحيات المنقولة استنادا إلى مبدأ التفريع.

– للإدارات المحلية موارد ذاتية، وموارد محالة إليها من السلطة المركزية، وتكون هذه الموارد ملائمة للصلاحيات المسندة إليها قانونا.

كل إحداث لصلاحيات أو نقل لها من السلطة المركزية إلى الإدارات المحلية، يكون مقترنا بما يناسبه من موارد. يتم تحديد النظام المالي للإدارات المحلية بمقتضى القانون.

– تتكفل السلطة المركزية بتوفير موارد إضافية للإدارات المحلية تكريسا لمبدأ التضامن وباعتماد آلية التسوية والتعديل. تعمل السلطة المركزية على بلوغ التكافؤ بين الموارد والأعباء المحلية. يمكن تخصيص نسبة من المداخيل المتأتية من استغلال الثروات الطبيعية للنهوض بتنمية المناطق النائية على المستوى الوطني.

– للإدارات المحلية في إطار الميزانية المصادق عليها حرية التصرف في مواردها حسب قواعد الحوكمة الرشيدة وتحت رقابة القضاء المالي.

– تخضع الإدارات المحلية فيما يتعلق بشرعية أعمالها للرقابة اللاحقة.

– تعتمد الإدارات المحلية آليات الديمقراطية التشاركية، ومبادئ الحوكمة المفتوحة، لضمان إسهام أوسع للمواطنين والمجتمع المدني في إعداد برامج التنمية والتهيئة الترابية ومتابعة تنفيذها طبقا لما يضبطه القانون.

– يمكن للإدارات المحلية أن تتعاون وأن تنشئ شراكات فيما بينها لتنفيذ برامج أو إنجاز أعمال ذات مصلحة مشتركة.

كما يمكن للإدارات المحلية ربط علاقات خارجية للشراكة والتعاون اللامركزي. يضبط القانون قواعد التعاون والشراكة.

– المجلس الأعلى للإدارات المحلية هيكل تمثيلي لمجالس الإدارات المحلية مقره خارج العاصمة. ينظر المجلس الأعلى للإدارات المحلية في المسائل المتعلقة بالتنمية والتوازن بين الجهات، ويبدي الرأي في مشاريع القوانين المتعلقة بالتخطيط والميزانية والمالية المحلية، ويمكن دعوة رئيسه لحضور مداولات مجلس نواب الشعب. تضبط تركيبة مجلس الإدارات المحلية ومهامه بقانون.

– يبت القضاء الإداري في جميع النزاعات المتعلقة بتنازع الاختصاص التي تنشأ فيما بين الإدارات المحلية وبين السلطة المركزية والإدارات المحلية.

2-                    مبادئ دستورية أساسية لسوريا موحدة وسيدة

سليمان الكفيري

    ما زال العمل من أجل عقد المؤتمر الوطني السوري لاستعادة السيادة والقرار قائماً وأصبح أكثر إلحاحاً من ذي قبل، من أجل ذلك، تعمل اللجنة التحضيرية باستمرار، وبشكل يومي، من أجل عقد هذا المؤتمر. وإن كان “الحجز الصحي العالمي”، وطوال أمد جائحة كورونا، يقف عائقاً أمام موعد عقد هذا المؤتمر، تماما على العكس من المستجدات والتطورات التي يعانيها الشعب السوري والأوضاع في الداخل والخارج، في الخيام والمخيمات، وما تعانيه المعارضات السورية وممثليها ومنصاتها ومؤتمراتها من هيئة التفاوض “المجمدة” إلى اللجنة الدستورية “المعطلة”،  ومن الإتلاف إلى مؤتمر القاهرة، مروراً بكل المنصات وما يتعلق بكل المكونات الوطنية السورية.. في غياب جسم سياسي تمثيلي ووازن يتعرف المجتمع السوري فيه على نفسه وما ضحى من أجله، يصبح أمر عقد مؤتمر وطني جامع، ضرورة ملحة. لأن عالم السياسة كالطبيعة، لا يتحمل استطالة التعفن والشرذمة والفراغ. فمعاناة الشعب السوري من فقرٍ وجوعٍ وفلتانٍ أمني وضغوطات دولية وإقليمية وما يتهدد سورية من تقسيم “الأمر الواقع” في شبه إمارات وإدارات، وتحول قطاع هام من المعارضة “الرسمية” التي فرضها “أصدقاء الشعب السوري” إلى مجموعة من المقاولين المرتهني القرار.  كأن التاريخ يكرر نفسه، بعد الثورة السورية الكبرى ومحاولات الانتداب الفرنسي إعادة البلاد إلى ما سبقها، جاء المؤتمر الوطني في 1928 ليعيد الاعتبار لكل ما قام الثوار السوريون من أجله محطما المشروع الفرنسي للتقسيم والهيمنة.. تنتصب المهمة الوطنية أمام الشعب السوري الذي قدم ما لم يقدمه شعب من أجل الكرامة والحرية، بعد عشر سنوات من الأوجاع والاستهداف الداخلي والخارجي، أمام مهمة الإجماع دولة ديمقراطية ذات سيادة، دولة العدالة والمساواة والإخاء والمواطنة.

وإن كانت مجموعات العمل من أجل المؤتمر تعمل حثيثة على إجابات عقلانية وعملية من أجل بناء جيش وطني ودولة مؤسسات حديثة، فوق المعتقدات والإيديولوجيات. أجد من الضروري التذكير بأهم المبادئ الدستورية، التي تنضج أكثر فأكثر من أجل عقد مجتمعي جديد. فأي عقد مجتمعي جديد هو ميثاق مستقبلي لا يخضع لمزاج فئة أو حزب أو طائفة أو قومية، وهو السيد في كل الظروف العادية والاستثنائية، ومرجعية لكل القوانين التي يجب أن يُعمَل بها , فالهدف من هذا العقد الاجتماعي هو تحرير الدولة من سيطرة فئة أو حزب أو إيديولوجية أو جماعة مهما كان شكلها ومنعها من الوقوف حائلاً أمام مقدرات الشعب السوري ومستقبله. من هنا لا بد من وجود مبادئ دستورية أساسية (أو مبادئ ما فوق دستورية) تستند إليها المراسيم والقوانين باعتبارها قواعد تأسيسية للدولة من أهم هذه المبادئ والتي تضمنتها وثائق اللجنة التحضيرية والتي ستقدم للمؤتمر ما يلي:

” الشعب السوري واحد، عماده المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات دون تمييز بين أبنائه بسبب اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو المذهب، المواطنة المرتكزة على أساس وفاق وطنيّ شامل “الدين فيه لله والوطن للجميع”، حيث لا يجوز لأحد فرض دينٍ أو اعتقادٍ على أحد، أو أن يمنع أحداً من حريّة اختيار عقيدته وممارستها.

التأكيد على حقوق الإنسان، التي تتأسّس بين السوريين على الإلتزام بالمواثيق والعهود الدوليّة لحقوق الإنسان، أي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمدنية والثقافية والبيئية التي كرستها البشريّة. وضمان التمتّع بهذه الحقوق للمواطنين والمقيمين على السواء.

الشعب السوري حرّ وسيّد على أرضه وفي دولته، وهما وحدة سيادية لا تتجزّأ ولا يجوز التخلّي عن أيّ شبرٍ فيها، وفي مقدمتها الجولان المحتلّ. وللشعب السوري الحقّ في النضال من أجل استعادة أراضيه المحتلّة بكلّ الوسائل التي أقرتها الشرعية الدولية لمقاومة الاحتلال.

يعتز الشعب السوري بعمقه الحضاريّ والثقافي والدينيّ الثري والمتنوّع، ممّا يشكّل جزءاً صميميّاً من ثقافته ومجتمعه، ويبني دولته على قاعدة الوحدة في التنوع وحق الإختلاف، بمشاركة مختلف شرائحه دون أيّ تمييزْ أو إقصاء.

تشكّل الحريّات الفرديّة والعامّة والجماعيّة حقا مشروعا غير قابل للتصرف، وتكفل الدولة الحريات العامّة، بما فيها حرية الحصول على المعلومة والإعلام، وتشكيل المنظمات غير الحكومية والنقابات والأحزاب السياسية، وحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، وحرية التظاهر والإضراب والاعتصام السلمية. تثبت هذه الحريات في الدستور، وتوضع القواعد القانونية لصونها من هيمنة عالم المال أو السلطة السياسية. كما تكفل الدولة السورية احترام التنوّع المجتمعي ومعتقدات ومصالح وخصوصيّات كل أطياف الشعب السوري، وتقرّ بالحقوق الثقافية والسياسية لكلّ مكوّناته وتطلّعها للتطور والرعاية.

حماية الإنسان وكرامته وسلامته على أرض سورية تستوجب تجريم المذهبية والطائفية السياسية والإرهاب والعنف.

حماية البيئة والتراث الوطني والإنساني في سورية جزء لا يتجزأ من حماية الإنسان والوطن.

إدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الدستور الوطني، ويضمن الدستور إزالة كافّة أشكال التمييز ضد المرأة، ويؤكد على ضرورة خلق المناخ التشريعي والقانوني الذي يؤمّن تمكينها ومشاركتها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً فيما يتفق مع كلّ المواثيق الدوليّة ذات الشأن.

الـتأكيد على احترام الدولة والدستور والقوانين لاتفاقية حقوق الطفل والتزامها، ووضع المعايير والسياسات الضرورية للرعاية الصحية والنفسية والتعليمية والخدمات الاجتماعية والمدنية والقانونية المتعلقة بالطفل.

التأكيد على احترام حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة والجرحى والمعاقين، وتوفير مسلتزمات المشاركة التامة في العمل والنشاطات العامة والتواصل الاجتماعي والثقافي.

سورية هي جزء من الوطن العربي، تربطه بشعوبه وشائج الثقافة والتاريخ والمصالح والأهداف الكبرى والمصير المشترك. وسوريا عضو مؤسّس في جامعة الدول العربيّة، تتطلّع إلى توثيق مختلف أشكال التعاون والترابط بين البلدان العربيّة.

تلتزم الدولة السورية بدعم الشعب الفلسطيني وحقّه في إنشاء دولته الحرّة السيّدة المستقلّة وعاصمتها القدس.

سورية جزء من المنظومة الدولية وهي عضو مؤسّس في هيئة الأمم المتحدة والمنظمات المتفرّعة عنها، ولذا فهي ملتزمة بميثاقها، وتسعى مع غيرها من دول العالم لإقامة نظام دولي بعيد عن جميع النزاعات المركزية والهيمنة والاحتلال، نظام قائم على التوازن في العلاقات وتبادل المصالح والمسؤولية المشتركة في مواجهة التحديات والأخطار العامة التي تهدّد أمن وسلام العالم.

الشعب هو مصدر الشرعية والعدل أساس الحكم الرشيد. تتحقق السيادة السورية في الربط العضوي بين الوطن والمواطن. في ظل النظام الجمهوري الديموقراطي ودولة المواطنة المدنية. دولة ينظم الدستور عقدها المجتمعي ويسودها القانون وتقوم على المؤسسات. ولا يجوز فيها الاستئثار بالسلطة أو توريثها بأيّ شكلٍ كان.

تقوم مؤسّسات الحكم في الدولة السورية على أساس الانتخابات الدوريّة والفصل التام بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ودسترة الهيئات الرقابية المستقلة في قضايا وحقوق الإنسان والشفافية والنزاهة والعدالة والإنصاف والهيئة العليا المستقلة لانتخابات حرة ونزيهة ضامنة لمبدأ التداول على السلطة عبر الانتخاب السرّي والحرّ.

يقرّ دستور جديد أسس النظام الديموقراطي المدني ونظام انتخاب عصريّ وعادل يضمن حق مشاركة كافّة التيارات الفكرية والسياسية، ضمن قواعد تؤمّن أوسع تمثيل للشعب واستقرار النظام البرلماني، وتضبط بشكلٍ دقيق الموارد المالية وإنفاق الأحزاب والجماعات السياسية.

الجيش السوري هو المؤسسة الوطنية التي تحمي البلاد وتصون استقلالها وسيادتها على أراضيها، تحرص على الأمن القومي ولا تتدخّل في النشاطات السياسية. وتحدد وظيفة أجهزة الأمن في نطاق حماية المواطن والوطن واحترام الحقوق الإنسانية الأساسية.

تعتمد الدولة مبدأ اللا مركزية الإدارية، بحيث تقوم الإدارة المحلية على مؤسسات تنفيذية تمثيليّة تدير شؤون المواطنين والتنمية في المحافظات والمناطق، بهدف الوصول إلى تنمية مستدامة ومتوازنة.

تحمي الدولة أشكال تنظيم المجتمع المدني المختلفة. وتضمن تمثيلها ومشاركتها في القرارات التنفيذية والتشريعية وبناء السلطة القضائية المستقلة والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان وهيئات المصالحة والمحاسبة والرقابة الوطنية.

تصون الدولة الملكية الخاصة، التي لا يجوز الاستيلاء عليها إلاّ للمنفعة العامة ضمن القانون ومقابل تعويض عادل، ويمنع القانون أي شكل من أشكال تجيير المال العام لمصالح خاصّة.

تصون الدولة المال العام والملكيّة العامّة لمنفعة الشعب، وتقوم سياستها على العدالة الاجتماعية ورفع مستوى التنمية البشرية، وحماية الجماعات المستضعفة وإعادة توزيع الدخل والثروة عبر النظام الضريبي بين الفئات الاجتماعية وبين المناطق بما يرفع من مستوى دخول الفقراء ومستوى المناطق المهمشة، وكذلك على ضمان حريّة الاستثمار وفتح مجالات جديدة أمام المستثمرين والمبادرة الاقتصادية والمنافسة وتكافؤ الفرص وفتح الأسواق ضمن ضوابط تكافح الاحتكار والمضاربات وتحمي حقوق العاملين والمستهلكين. تضع الدولة السورية في مقدمة التزاماتها ومسؤولياتها الوطنية، تطوير وتحديث برامج التربية والتعليم، بما يستجيب لضرورة إعداد أجيال المستقبل المزودة بكل المعارف النظرية والتطبيقية والخبرات، التي تؤهلها لقيادة عملية التنمية في البلاد. إن نشر الثقافة العصرية الهادفة إلى تطوير الوعي الشعبي المستند على القيم العقلانية والموضوعية مهمة أساسية للدولة والمجتمع ومن واجب الدولة القضاء على الأمية. تولي الدولة السورية كل اهتماماتها لانتهاج سياسة عملية فعالة ترمي لتحقيق التواصل والتفاعل والتكامل بين السوريين المهاجرين والمغتربين، ووطنهم الأم، على أفضل وجه ممكن باعتبارهم جزءا أصيلا من شعبهم. بما يؤمن مساهمتهم الفعالة في خدمة وتنمية وطنهم والدفاع عن قضاياه العادلة وتقديم كل الخدمات الممكنة لهم. وفي هذا المجال فإن على الدولة أن تضع وتنفذ كل السياسات التي تحفز وتشجع كل الكفاءات والكوادر التي اضطرت لهجرة وطنها للعودة إليه للمساهمة في معركة إعادة الإعمار والتنمية وتأمين الإستفادة من خبرات وإمكانيات من لا تسمح لهم ظروفهم بالعودة القريبة. تلتزم الدولة السورية إزالة كافّة أشكال الفقر المدقع والتمييز ومكافحة البطالة بهدف التشغيل الكامل الكريم اللائق والإنصاف في الأجور، وحماية البيئة، وتأمين الخدمات الأساسيّة للمواطنين “.

ما أحوجنا في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها الشعب السوري لتوحيد الجهود والكلمة والعمل المشترك والضاغط للخروج مما تعاني سورية ومما يعانيه الشعب السوري فإذا كان العامل الحاسم هو إعادة السيادة والقرار للشعب لا نستطيع أن نُهمل دور الدول الإقليمية والدول ذات القدرة على دعم الشعب السوري فلا بد من تفاهمات لتحقيق مصلحة الشعب السوري أولاً وما يضمن العلاقات ذات الطابع الإنساني بين شعوب المنطقة ودولها على أن يكون أي حل أو إجراء تحت مظلة هيئة الأمم المتحدة الشرعية الدولية وبالحد  الأدنى قرارات هيئة الأمم المتحدة وخصوصاً القرار 2254 .

  سليمان الكفيري ٢٦ / ١ / ٢٠٢١ م

3-  آليات الربط بين ملف الانتقال السياسي والسلة الدستورية..

في نطاق تطبيق القرار 2254

د. محمّد خالد الشاكر:  دكتوراه دولة في القانون الدولي، باحث وأكاديمي

                                               26/6/2018

أولاً – السلة الدستورية ودورها في الانتقال السياسي.

ثانياً- ماهية الانتقال السياسي استناداً للقرار 2254.

ثالثاً- ديناميات بناء الدستور، ودورها في الانتقال السياسي.

رابعاً- التحديات التي تواجه عمليات الربط.

خامساً- أهمية التمييز بين عملية بناء الدستور ومضمون الدستور الجديد.

نماذج تاريخية.

خاتمة

مقدمة

لعل من أهم محددات سبل الربط بين ملف الانتقال السياسي والسلة الدستورية أن هذه العملية برمتها، تنطلق من كونها عملية بإشراف الأمم المتحدة، وفي نطاق تطبيق القرار 2254، الذي يشكل سكة الحل السياسي في سوريا. إذ نصت المادة 2 من هذا القرار: (يُطلب إلى الأمين العام من خلال مساعيه الحميدة وجهد مبعوثه الخاص، بدعوة ممثلي الحكومة السورية والمعارضة إلى الدخول على وجه السرعة في مفاوضات رسمية بشأن عملية انتقال سياسي). وكذلك المادة 3 من القرار ذاته التي أقرت بـ (دور الفريق الدولي باعتباره المنبر الرئيس لتسيير الجهد الذي تبذله الأمم المتحدة لتحقيق تسوية سياسية دائمة في سوريا)(1).

وبناء عليه، تخضع الآليات التنفيذية والأطر الإجرائية للسلة الدستورية، لعمليات ما يعرف في فقه القانون الدولي العام بـ(بناء الدساتير) في معرض صراع عنيف، كمهمة اضطلعت بها الأمم المتحدة في كثير من الصراعات الداخلية، خصوصاً في مراحل ما بعد الحرب انتهاء الحرب الباردة، إذ تمكنت الأمم المتحدة من القيام بأدوار دفعت من خلالها القوى المتصارعة نحو عملية سياسية، ساعدت في إنجاز ما يمكن إنجازه من عمليات دستورية، اشتغلت على وقف الصراع وعدم العودة إليه، وذلك بتقديم الأمم المتحدة، الدعم اللازم للعمليات الإجرائية والتقنية، بما يُعرف بعملية بناء الدستور، وليس التدخل في مضمونه أو كتابته أو إقراره الذي يبقى شأناً وطنياً محضاً.

أولاً- السلة الدستورية ودورها في الانتقال السياسي

يشكل الدستور القانون الأسمى, أو القانون الأساسي, أو قانون القوانين، هو الذي يحدد الشكل العام الذي تكون عليه الدولة وينظم قواعد الحكم فيها، ويوزع السلطات ويحدد اختصاص كل منها، ويبين واجبات مواطنيها وحقوقهم. ويُعرف الدستور أيضاً، بأنه مجموعة القواعد القانونية التي تبين وضع الدولة وتنظم السلطات فيها من حيث التكوين والاختصاص وتحديد العلاقة بينهما، إضافة إلى تقرير ما للفرد من حقوق وواجبات، أي تلك القواعد المتعلقة بالضمانات الأساسية للحقوق والحريات العامة في المجتمع(2).

ويقابل كلمة دستور في الإنكليزية والفرنسية كلمة Constitution التي تعني مجموعة القوانين التي تبين النظام السياسي(3). إذ لا تشكل عملية صوغ الدستور، الاتفاق على المبادئ العامة وحسب، بل إيجاد الضوابط التي تحافظ على تلك المبادئ، لتكون أكثر صموداً في وجه المتغيرات الاجتماعية والسياسية والتوازنات الدولية، وما يطرأ على الدولة من تبدلات، سواء في علاقتها مع الدول أم مع الأفراد(4).

لمتغيرات تاريخية، ظلت المنطقة العربية -حتى هذه اللحظة- بعيدة البعد كله من فكرة الانتقال السياسي بمفهومه العام، في نأي واضح لأهم ضابطين دستوريين، وهما (مبدأ تداول السلطة)، و(مبدأ الفصل بين السلطات)، ويعود ذلك إلى غياب ثقافة التفريق بين ماهية الحق وماهية السلطة(5)، إذ بقيت فكرة السلطة مفهوماً يدور في فلك القابض عليها، وبعيدة البعد كله من الفهم الحقيقي لماهيتها. فالسلطة في الفقه القانوني ليست ملكاً للقائم عليها، بقدر ما هي أحد إمكاناته، التي لا يجوز له التصرف بها إلا في حدود المصلحة العامة.

1- تداعيات ربط الانتقال السياسي بسلة الحكم

عكست المفاوضات السورية تركيزاً ربطَ العملية السياسية برمتها بسلة الحكم كأساس للانتقال السياسي، وذلك بطرح فكرة تغيير رأس النظام بشكل عمودي التي اشتهرت في التفاوض بعبارة (رحيل الأسد قبل بداية المرحلة الانتقالية)، بما في ذلك من صعوبات فرضتها التجاذبات الإقليمية والدولية، أفرزت تحولات جذرية مفاجئة في المواقف جعلت المتصارعين لسنوات على الأرض السورية حلفاء وضامنين. الأمر الذي أفرز نوعاً من العلاقات بين هذه القوى، لم تتمكن المعارضة الرسمية من مجاراته في العلن، أو مجاراة مواقف الدول، التي يفترض أن تعكس مواقفها. ما أظهر المعارضة السورية من دون أي غطاء دولي أو إقليمي، فتحولت العملية التفاوضية إلى ما هو أقرب إلى منصات إعلامية أوصلت الحل السياسي إلى حالة من الاستعصاء وانسداد الأفق، الذي أسس لحالة من الاستعصاء، وإطالة أمد الصراع أكثر فأكثر.

لقد عانت فكرة الانتقال السياسي كثيراً من العقبات، في مقدمتها وجود قوى فاعلة ومؤثرة في الأرض (جبهة النصرة وداعش)، المصنفتان جماعات إرهابية، استناداً إلى القرار 2254، الذي طالب الأطراف جميعها بمحاربتها تحقيقاً للسير في العملية السياسية، إذ ظلت هذه القوى الراديكالية متأهبة للانقضاض على شكل الدولة السورية المنشودة في الانتقال السياسي، يؤهلها في ذلك أنها القوة الثانية على الأرض بعد النظام، والوارث الوحيد له، وقد ظلت منذ بداية الصراع، لا ترى في سوريا المستقبلية سوى إمارة أو خلافة إسلامية، وهو ما يتعارض مع نص القرار 2254، الذي دعا في البند 8 إلى (منع الأعمال الإرهابية وقمعها، تلك التي يرتكبها على وجه التحديد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام) المعروف أيضاً باسم داعش)، وجبهة النصرة.. والقضاء على الملاذ الآمن الذي أقامته تلك الجماعات الإرهابية.

من هذه النقطة بالذات ارتبطت سلة الحكم ارتباطاً وثيقاً بمحاربة الجماعات الإرهابية، وهي الحالة ذاتها التي أفرزت التجاذب الحاد بين القوى المتصارعة، بين قوى ربطت سلة الحكم بالقضاء على الإرهاب، وأخرى كانت ترى في هذه الجماعات مقدمة لإسقاط النظام تارة، وتارة أخرى ضماناً لإطالة أمد الصراع، بما يؤمن الوقت الكافي لتصفية الحسابات في ما بينها على الأرض السورية. وفي الحالتين كلتيهما كان النظام الرابح الوحيد سواء على صعيد التفاوض، أم على صعيد الإبقاء على حالة الحرب، عاملاً وحيداً يبقيه ويطيل من عمره. لذلك ظلت سلة الحكم مسألة مستعصية وفي غاية الصعوبة. ولعل تسع جولات من العقم التفاوضي كانت دليلاً على الاستقطاب الحاد بين القوى الدولية والإقليمية المتصارعة في سوريا.

أمام ذلك، ظهرت السلة الدستورية، كحالة توافقية قلبت آليات فكرة الانتقال السياسي –في أحد جوانبه- من التغيير العمودي إلى إيجاد مخارج موضوعية، عبر عملية تدريجية تبدأ من الأسفل إلى الأعلى، بما يضمن معادلة عدم انهيار الدولة السورية وتحقيق الانتقال السياسي المنشود، وعلى هذا الأساس تحدث القرار 2254 في البند 5 عما أسماه بـ(الصلة الوثيقة بين وقف إطلاق النار وعملية سياسية موازية (6)The close linkage between a ceasefire and parallel political process.

بهذا المعنى، تصبح أهم محددات ربط ملف الانتقال السياسي بالسلة الدستورية، هو فهم ماهية هذا الانتقال بحسب القرار 2254، والتفسير القانوني لهذا القرار كقراءة قانونية لا قراءة سياسية دفع ثمنها السوريون أثماناً باهظة خلال عامين من التفاوض؛ أظهرت انسداداً في الأفق التفاوضي، واستعصاءً كان يؤسس لمفاوضات إلى ما لا نهاية.

لقد مرت العملية التفاوضية في معرض التركيز على سلة الحكم من دون غيرها من السلال، بمراحل أدت إلى تعارض العملية السياسية مع مندرجات القرار 2254، كما هو الحال في سلة محاربة الإرهاب بأشكاله كلها، ومنع استهداف المدنيين، وفك الحصار ووصول المساعدات الإنسانية، فلقد استعمل النظام السوري أشكال الأسلحة كلها في استهداف المدنيين، وعاثت المليشيات التابعة له فساداً في المناطق التي دخلوها، وتصدرت الجماعات المصنفة إرهابياً بحسب القرار 2254 –كجبهة النصرة- المشهد المعارض (كما حصل في معارك حلب)، بل أصبحت محل ترحيب من مكونات المعارضة الرسمية. وفي الوقت الذي كانت فيه آليات التفاوض تتركز على سلة الحكم، كانت الجماعات الإرهابية تشكل القوة الثانية على الأرض بعد النظام، وتسيطر على مساحات واسعة من البلاد، ما حال دون أي رغبة دولية في الضغط على النظام، أو الدفع بشكل جاد في العملية السياسية.

2- اللجنة الدستورية والاتفاق على المبادئ الأساسية لصوغ الدستور

لسنوات طويلة من عمر الحالة السورية، ظلت المعارضة السورية تعاني الانقسام الحاد الذي حال دون تحقيق أي تقدم يذكر في المفاوضات. في الوقت الذي كان فيه النظام السوري يرى في هذا الانقسام فرصة للتهرب من أي خطوة مهما صَغُرت. فإلى جانب انقسام المعارضة، ظل النظام ومن وراؤه مؤمناً بالحل العسكري، محققاً في ذلك مكسبين، أحدهما تكتيكي وهو إيمانه العميق أنه باقٍ ما بقيت الحرب، كبقائه ما بقيت الجماعات الإرهابية. أما في المدى الاستراتيجي، فقد ظل النظام متوهماً بالانتصار العسكري في حالة معقدة كالحالة السورية، لا يبدو فيها أنّ هناك طرفاً منتصراً بعد ما حلّ في الدولة السورية من تداعيات انعكست على البنى جميعها المكونة للدولة والمجتمع السوريين، علاوة على الحالة السورية أصبحت في معرض عملية سياسية مرعية باتفاقيات وقرارات دولية، ضمنتْ هذا الانتقال طال الزمن أم قصر.

بعد عامين من تحقيق النظام السوري أكبر مكاسبه الاستراتيجية على الأرض في الاستحواذ على حلب، بدأت آليات التفكير داخل الهيئة العليا للمفاوضات تجنح نحو آليات جديدة، وفي مقدمتها الركون إلى فكرة توسيع الهيئة العليا، علماً أن هذا التوسيع كان قد تضمنه القرار 2254 قبل تأسيس الهيئة، إذ تضمن القرار صراحة إحاطته (بالاجتماعات التي عقدت في موسكو والقاهرة وما اتخذ من مبادرات وقرارات تحقيقاً لهذه الغاية(7).

اضطلع مؤتمر الرياض 2 بوضع اللمسات الأخيرة على هذا الجهد بعد عامين من المفاوضات الصعبة. ونجحت الهيئة العليا للمفاوضات في توحيد المعارضة شكلياً، لا توحدها. لا سيما أنّ بيان مؤتمر الرياض 2، ظل يربط مسألة الانتقال السياسي بسلة الحكم التي تعني التغيير من الأعلى والبدء برحيل رأس النظام قبل بدء المرحلة الانتقالية مقدمة للانتقال السياسي.

وأمام الاختلافات البنيوية بين مكونات الهيئة العليا للمفاوضات ذاتها، ظلّ النظام يرفض أي عملية سياسية فعلية، اتسق ذلك مع تغير جذري في الأساس القانوني الذي تشكلت من أجله الهيئة العليا الذي بدأ بالتراجع رويداً رويداً، فتوقفت الجولات التفاوضية ضمن جدول زمني، وتحولت إلى دعوات يقوم بها المبعوث الأممي، إلى أشخاص وجماعات، من دون أي رؤية فعلية لماهية الانتقال السياسي ومحدداته، وأمام ذلك برزت السلة الدستورية، وبدأ الحديث عن (اللجنة الدستورية)، ومدى قدرة هذه السلة في تحقيق اختراق عملي في عملية الانتقال السياسي.

بعد مؤتمر سوتشي 29-30 يناير، أصبحت اللجنة الدستورية واقعاً في سيرورة الانتقال السياسي، وما يجري الآن هو الاختلاف حول آليات ونسب التمثيل في هذه اللجنة. علماً أن التحدي الأكبر أمام المعارضة السورية اليوم، هو قدرتها على الاتفاق على محددات الدستور السوري الجديد ومضمونه، بوصفها مقدمه ضرورية لعمل اللجنة الدستورية ومن ثم دور السلة الدستورية في الانتقال السياسي.

وعلى هذا الأساس، وريثما يجري التواصل بين الأطراف الخارجية المتصارعة الداعمة لأطراف النزاع في سوريا؛ يمكن للأمم المتحدة أن تنتقل إلى عمليات بناء الدستور، مع الأخذ بالحسبان أنّ بعضاً من نقاط الاتفاق بين أعضاء اللجنة الدستورية المشكلة من الحكومة السورية والمعارضة، قد تشكل مقدمه لتذليل كثير من التجاذبات الحادة بين الدول الخارجية لمصلحة التوافق السوري السوري، لا سيما في بعض المواد التي تشكل مبادئ عامة في صوغ الدساتير.

وفى هذا الخصوص يصبح تشكيل اللجنة الدستورية بإشراف الأمم المتحدة عاملاً دافعاً ومساعداً لعملية بناء الدستور السوري والانتقال السياسي، مع التركيز على البدء بالتغيرات العملية والملموسة في المؤسسات، سواء لجهة تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، أم لجهة البدء بالتشاركية في إدارة هذه المؤسسات، وبما يؤمن مسألة (الحكم ذي الصدقية، الشامل وغير الطائفي) استناداً إلى القرار 2254. الأمر الذي يمهد لدينامية تساعد في تهيئة بيئة آمنة يمكن من خلالها الانتقال إلى سلة الانتخابات استناداً إلى المادة 5 من القرار 2254 التي تضمنت الصلة الوثيقة بين وقف إطلاق النار وانطلاق عملية سياسية موازية وهذا يحتاج إلى مشاركة الأطراف السورية جميعها في عملية بناء الدستور، من خلال تحديد فكرة الحكم المشترك، وفي مقدمتها تطبيق مبدأ اللامركزية في المستوى الوطني.

ثانياً- ماهية الانتقال السياسي استناداً إلى القرار 2254

تبدو مسألة فهم ماهية الانتقال السياسي عبر عملية بناء الدستور، مقدمة لتحقيق اختراق فعلي وواقعي ليس في السلة الدستورية وحسب، بل على صعيد سلة الحكم ككل، إذ تبدو هذه العملية أرضية صلبة يمكن البناء عليها للسير في عملية التسوية، بدءاً من إصلاح المؤسسات الدستورية الناظمة للحكم، وتقاسمها بين الطرفين، من خلال ما تضطلع به اللجنة الدستورية من تفاهمات في ما بينها، من خلال الولوج في تعديل النصوص الدستورية تدريجياً عبر عملية أشبه بالتفاوض المقونن بمعايير دولية في بناء الدساتير؛ وبما يضمن تقاسم المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ما يشكل ضابطاً ومقدمة لتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، وفي إطار التعاون والرقابة في ما بينها، عبر عملية تنفيذية على أرض الواقع، تؤسس لجملة من المبادئ العامة أو الوثيقة التي تؤسس لعقد اجتماعي، يؤمن في نهاية المطاف القدرة على كتابة دستور سوري جديد، كما يؤمن بيئة آمنة لطرح هذا الدستور وإجراء الانتخابات، بوصفها مقدمات تنفيذية، تضمن السير في تحقيق اختراق في سلة الحكم التي تضمنها القرار 2254 في البند 4، الذي تضمن (حكماً ذا صدقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية، وتحدد جدولاً زمنياً وعملية لصوغ دستور جديد (8)). (establishes credible inclusive and non-sectarian government). مع ملاحظة أنّ النصين العربي والإنكليزي تضمنا كلمة (حكم) Governance، وليس (حكومة) Government. الأمر الذي يشير إلى دور السلة الدستورية في مسألة الحكم تحقيقاً لعملية الانتقال السياسي المنشود. ولعل ما يؤكد ذلك هو تأكيد القرار 2254 على عبارة (عملية سياسية موازية) بحسب البند 4 آنف الذكر، الذي عطف مسألة الحكم ذي المصداقية، من خلال ربطه بجدول زمني وعملية لصوغ دستور جديد.

وفي هذا الخصوص، يمكن للجنة الدستورية أن تبدأ بالخطوات التنفيذية، وفي مقدمتها تحقيق المصالح المشتركة بين الطرفين، والاتفاق عليها بوصفها مبادئ في الدستور الذي يُصار إلى صوغه، وبما يؤمن حلول آنية لكثير من المعضلات التي تعوق مستقبل العملية السياسية، بالتوازي مع إدخال الإصلاحات الدستورية التي تتسق وفكرة الحكم المشترك استناداً إلى القرار 2254. والمقصود هنا الشروع بتقاسم الحكم في معرض عملية موازية لمراحل العملية السياسية كلها، فمن الصعوبة بمكان أن يجري التأسيس للدستور السوري الجديد دفعة واحدة، من دون مناقشات يجري الاتفاق عليها في إطار العملية السياسية التي تضمنها القرار 2254. وبذلك يصبح عمل اللجنة الدستورية، مرعياً بالتفاوض الذي يشرف عليه المبعوث الأممي، ومن دون ذلك لا يمكن تحقيق أي تقدم في السلة الدستورية التي تسعى لغايتها الأخيرة في كتابة دستور جديد.

لقد أيد القرار 2254 في البند 1 بيان جنيف 30 يونيو 2012، أساساً لانتقال سياسي، لكنه في الوقت ذاته أيد أيضاً بياني فيينا، إذ تضمن بيان فيينا1(30 أكتوبر 2015)، تشكيل حكومة ذات صدقية وشاملة وغير طائفية، على أن يعقب تشكيلها وضع دستور جديد وانتخابات.

يمكننا القول إن بياني فيينا شكلا ما هو أشبه بتمهيد لصدور القرار 2254، الحال ذاته انعكس في ما بعد البنود الـ 12 التي قدمها المبعوث الأممي، وكذا الحال لما سمي بـ (اللا ورقة) التي طرحتها الدول الخمس (الولايات المتحدة، بريطانية، فرنسا، الأردن، السعودية) قبل مؤتمر سوتشي، التي أظهرت خلافاً سياسياً وليس اختلافاً بماهية الانتقال السياسي في سوريا، الذي أصبح يقوم على انتقال تدريجي عبر الدستور والانتخابات، لا سيما بعد أن أصبحت مخرجات سوتشي في عهدة المبعوث الأممي السيد ستيفان ديمستورا، وهذا ما يجب أن تدركه أطراف الحكومة السورية والمعارضة.

وعلى هذا الأساس، لا تعني عملية مناقشة السلة الدستورية وآلياتها بحسب الوثائق والبيانات وضع الدستور دفعة واحدة، بقدر ما تجنح هذه السلة إلى الحديث عن عمليات بناء الدستور السوري، التي لا تعني صوغ الدستور، بقدر ما هي عملية طويلة وشاقة، تبدأ من الأسفل إلى الأعلى، أي إنشاء المؤسسات والإجراءات والقواعد التي يقوم عليها وضع الدستور. أي إن عملية بناء الدستور هي الضابط الأساس لخلق البيئة الملائمة لوضع الدستور، ودراسة الخيارات المتاحة لفرص التمثيل الأوسع لأطياف المجتمع كلها.

إن تطبيق روح النص القانوني للقرار 2254 يدفعنا إلى التفريق بين الدستور القانوني والدستور السياسي، فالأول هو من يتطلع إليه المتخصصون والأكاديميون، ويعمل على منع الطرف المنتصر في الصراع من تغيير المبادئ الرئيسة للدستور المنشود، بينما الثاني (الدستور السياسي) فهو الذي يركز على تسوية القضايا العملية من خلال العملية السياسية في مراحل ما بعد الصراع، إذ تضطلع الأمم المتحدة وأطراف دولية أخرى في عملية بناء الدستور(9)، التي تُعنى بتقديم الدعم اللازم للعمليات الإجرائية والتقنية، من دون التدخل في مضمونه الذي هو في نهاية المطاف شأن وطني داخلي، تحدده التوافقات بين القوى المحلية.

وفي هذا الخصوص، نظن أن عملية بناء الدستور السوري استناداً إلى القرار 2254 تجنح في المراحل الأولى من عملية التسوية إلى فكرة الدستور السياسي، الذي يعمل على فرضيات مبدئية تؤكد دستورية العمل الحكومي، والتركيز على فكرة السيادة، وإدراج مبادئ عامة متفق عليها كهيكل أساسي، بدلاً من التفاصيل التي قد توقع الطرفين في الخلاف، وحل المشكلات العالقة عن طريق الديمقراطية المباشرة والمبادرات الشعبية، وهنا تنفتح الشهية للحديث عن اللامركزية الإدارية في المناطق التي تحقق مصالح الطرفين في إطار السيادة ووحدة أراضي البلاد، مع الأخذ بالحسبان قوة المركز واستمرار نظام الحكم، بوصفه أحد تجليات الحكومة المشتركة.

وفي هذه الحالة يمكن العمل على بناء جيش وطني، وإدماج القادة في السلطة التنفيذية في المركز، مع الأخذ بعين الاعتبار الحيلولة دون التداعيات السلبية التي قد تُضعف المركز أو تهدد وحدة البلاد، كمبادئ تعتبر فوق الدستورية، يقابلها الاعتراف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كمكمل للحقوق السياسية، وتأكيد دور حقوق الإنسان، وإقرار التنوع، إذ لا يمكن إعداد دستور فعلي في ظل مجتمع متنوع ومنقسم ومن دون ضم المجموعات المتصارعة كلها في البلاد(10).

ثالثاَ- ديناميات بناء الدستور، ودورها في الانتقال السياسي

نظن أن أهم خطوة في عملية بناء أي دستور بعد صراع عنيف، هي بحث الأسباب التي أدت إلى هذا الصراع، وذلك بالوقوف عند الأسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أدت إلى الهزة العنيفة في المجتمع الذي عانى الصراع، في محاولة لصوغ دستور عصري، لا يتوقف عند حل هذا الصراع، بل يتعداه إلى حماية الأجيال القادمة من الوقوع في هزات عنيفة أخرى، وبما يشكل ضماناً لعدم عودة هذا الصراع. وردم الثغرات جميعها التي كانت سبباً ومولداً لهذا الصراع، وتحقيق المسائل التي تحقق مصالح الطرفين وتأكيد المعايير الدولية، ومراعاة القرارات والاتفاقيات ذات الصلة.

1ـ دراسة الأسباب التي أدت إلى الصراع العنيف في سوريا، والحيلولة دون عودتها

في عودة سريعة إلى التاريخ المعاصر، تبدو ما تمخضت عنه أغالب الدساتير العربية عموماً، والدستور السوري خصوصاً، تنام في ماضوية تاريخية تدور في فلك الاستئثار بالسلطة، والتوقف عند حالتها البدائية المرتبطة بمرجعية الحق الإلهي، بخلاف التطورات التي مرت بها أوروبا، عبر مراحل التطور التاريخي لتداول السلطة وبناء العقد الاجتماعي، إذ نجحت منذ عصر الثورة الصناعية ومراحل الإصلاح الديني في تعزيز فكرة الفصل بين الدين والدولة بعد صراع طويل مع الكنيسة، ومن ثم تحييدها.

إبان تلك المرحلة لم تستطع المنطقة العربية التأثر بالتحولات البنيوية التي حدثت في فهم ماهية الحكم في أوروبا، بل الخروج من السلطة الدينية التي كرست فكرة الحكم المطلق. فعلى العكس من ذلك فقد رزحت المنطقة العربية خلال هذه المرحلة تحت حكم الخلافة العثمانية، وخلال أربعمئة عام عانت المنطقة العربية قطيعة تاريخية حالت دون التأثر بعصور الإصلاح الديني (القرن الخامس)، وعصر النهضة (القرن السادس عشر)، وعصر العقلانية (القرن السابع عشر)، وعصر التنوير (القرن الثامن عشر) (11).

وما إن خرجت البلدان العربية من بوتقة الحكم العثماني، حتى خضعت للانتداب الفرنسي والإنكليزي، وعلى الرغم من الممارسة الخجولة لفكرة تداول السلطة بشكلانية ديمقراطية تقوم على جمع الأصوات؛ إلا أن الدول العربية ومنها سوريا، مارست هامشاً من تداول السلطة، لكنها عادت في مراحل ما بعد الاستقلال لتسقط من جديد في أتون الحكم الشمولي بعد بروز الصراع العربي الإسرائيلي، الذي انعكس انعكاساً كبيراً في مجمل الدساتير العربية، وعلى وجه الخصوص في سوريا، التي شكلت في مراحل لاحقة أحد مناطق نفوذ المعسكر الاشتراكي خلال الحرب الباردة، ما صبغ الدساتير اللاحقة جميعها (حتى دستور 2012)، بفكرة النظام الاشتراكي الذي يعطي الأهمية للبنى التحتية، ومبدأ مركزية السلطة، وملكية وسائل الإنتاج، في نأي واضح عن التطورات التي طرأت على الدساتير الغربية، كما التحولات التي طرأت على حقوق الفرد وحرياته العامة المتعلقة بإعلان المبادئ العامة لحقوق الإنسان. لذلك ظلت الدساتير السورية كلها غير متضمنة الالتزام بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين للحقوق السياسية والاقتصادية.

لقد ظلت الدساتير السورية منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا، منعكساً لحالة الصراع العربي الإسرائيلي التي سبغتها بالحالة الثورية، التي فتحت الباب على مصراعيه للانقلابات العسكرية، التي ألغت الحالة السياسية، وهمشت الفرد بحجة الأمن القومي. ما جعلها دساتير ذات طابع شمولي، أفرزت دكتاتوريات جعلت الدساتير محض حبر على ورق.

فمنذ هزيمة حرب فلسطين 1948 التي أدت إلى استقالة وزير الدفاع السوري أحمد الشرباتي التي أظهرت ضعف الجيش السوري، واستقالة حكومة مردم بك 2 ديسمبر 1948 التي خلفتها حكومة خالد العظم 20 مارس 1949 التي أعلنت أنها ستشارك في مباحثات لعقد الهدنة مع إسرائيل إلى جانب مصر والأردن ولبنان. الأمر الذي أعطى الحجة للضابط حسني الزعيم ليقوم بانقلابه بعد عشر أيام من الإعلان، ولتبدأ سوريا عصراً جديداً من الانقلابات، انعكست على الصعيدين السياسي والعسكري.

 – فعلى الصعيد السياسي: تصاعد الفكر الشمولي، وقويت شوكة التيارات والأحزاب التي ترفع شعارات القومية وتحرير فلسطين.

  – أما الصعيد العسكري: فقد ازداد نفوذ العسكر في الحياة السياسية، وأصبح لديها الحجة للقيام بالانقلابات، والتنكيل بحقوق الأفراد وحرياتهم العامة بحجة الأمن القومي والصراع مع إسرائيل(12).

ومع وصول حزب البعث إلى السلطة، تصاعدت أكثر وتيرة النزعات الشيفونية والإثنية بسبب تصاعد الفكر القومي، وانشغال الجيش بالسياسة الداخلية، وتبني الأفكار الاشتراكية وربطها بالقومية، وتبني فكرة الحزب الواحد، فغاب عن الدساتير السورية أي ذكر عن الأكراد أو أي مكون آخر، وأصبح الفرد السوري هو الفرد العامل من أجل الوحدة العربية من دون سواه(13)، ما حال دون أي تكريس لفكرة المواطنة والتعددية، وغاب مبدأ الفصل بين السلطات بوصفه أساساً لفكرة السيادة الشعبية وتداول السلطة.

صحيح أن شرائع الشرق القديم كانت أول شرائع مكتوبة في تاريخ البشرية، إلا أنها كانت تجنح لتنظيم علاقات الأفراد، في نأي واضح عن التطرق إلى فكرة الحكم. فعلى الرغم من الدور التاريخي للديانات في تكوين الدولة، إلا أنّ مجتمعات المنطقة العربية، لم تواكب –لأوضاع تاريخية- التطورات التاريخية لظهور الدولة الحديثة وآليات ممارسة الحكم فيها، ما ساعد في تكريس المرجعية الإلهية للسلطة حتى يومنا هذا.

انعكس ذلك بوضوح وجلاء في شكلانية دساتير المنطقة، التي ظلت محض حبر على ورق، وانعكس ذلك في فهم معنى الدستور ودوره في الانتقال السياسي وتداول السلطة.

1ـ المسائل التي تحقق مصالح الطرفين: في هذا الخصوص، نستحضر نموذجاً عملياً للأوضاع الخاصة والمستعصية التي تمر بها المناطق الشرقية الواقعة غرب نهر الفرات، كنموذج يمكن البناء علية، لتحقيق المصالح المشتركة بين المعارضة والحكومة السورية، إذ ما زالت المناطق التي استحوذ عليها النظام خالية من الناس حتى هذه اللحظة، ويحجم الأهالي عن العودة إلى ديارهم بسبب تخوفهم من النظام والمليشيات الحليفة له، بسبب مشاركة أغلبهم في التحركات الشعبية، مفضلين بقاءهم في المخيمات في الصحراء على العودة إلى ديارهم. وقد حاول النظام السوري مراراً إقناع سكان هذه المناطق بالعودة من خلال مبادرات شعبية، لكنها باءت بالفشل، رافق ذلك عدم استقرار أمني لقوات النظام وقواته الحليفة بسبب الهجمات المتكررة عليهم من جهات يقول بعضهم إنها فلول من داعش، ويعزوها بعضهم إلى حالات فردية، يشنها أبناء المنطقة على النظام وحلفائه.

وفي هذه الحالة يمكن الاتفاق بين النظام والمعارضة على إيجاد صيغة تؤمن عودة الأهالي من خلال تطبيق اللامركزية أو الإدارة المحلية لهذه المناطق من المعارضة مع الإبقاء على سلطة المركز، وبذلك يمكن للطرفين الاستفادة من هذه النقطة التي تؤمن مصلحة الطرفين، كما تؤمن العودة الآمنة والطوعية للأهالي إلى ديارهم، والقدرة على البدء بإعادة تأهيل ديارهم، استناداً إلى نص البند 14 من القرار 2254.

وقد تشكل هذه العملية في إطار العملية السياسية، بادرة أولى (من أجل المضي قدماً في عملية السلام، وتدابير بناء الثقة)، استناداً إلى البندين 10و11 من القرار 2254، الحال الذي سينسحب على القدرة على إعادة الإعمار، وعيش الأهالي في مناطق لا تعاني أي هجمات ضد المدنيين، وهو ما تضمنه البند 13 من القرار ذاته.

2ـ تأكيد المعايير الدولية، ومراعاة البيانات والقرارات الدولية ذات الصلة:

لعل أهم ما يمكن التطرق إليه هو وضع اللبنات الأساسية في بناء الدستور وفى مقدمتها إرساء ثقافة حقوق الإنسان، وتصميم السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، والحديث عن الأشكال الممكنة عن لامركزية الحكومة. فقد شهدت مراحل ما بعد الحرب الباردة تجارب مهمة اضطلعت بها الأمم المتحدة في عمليات بناء الدساتير، من خلال ما أُطلق عليه الدساتير الإصلاحية، فالدستور يشكل في الفكر القانوني العقد الاجتماعي الذي يعمل على قصر استخدام الحكومة للسلطة، بالتركيز على مصطلح الدستورية الذي يُعنى بفكرة تحديد السلطة استناداً إلى مبدأ فصل السلطات الذي يقوم على قاعدة أساسية مفادها (لا يحد السلطة إلا السلطة).

إن مسالة الربط بين ملف الانتقال السياسي والسلة الدستورية استناداً إلى القرار 2254 يقتضى بالضرورة عدم الركون فقط إلى المبادئ النظرية العامة كحقوق الإنسان وضمان استخدام القضاء وبناء الجيش والأمن، كون هذه المبادئ مرسومة سلفاً بصورة نظرية. وإنما تطبيقها عملياً وتنفيذياً في عمليات بناء الدستور، وفي إطار الإجابة عن كثير من الأسئلة التي تحتاج إليها عمليات الربط التي ستشكل –من دون شك- قضايا شائكة تطرح أسئلة مؤداها: كيف يمكن إفراغ هذه المبادئ وتطبيقها عملياً وبصورة تدريجية، وكيف يمكننا إقناع من يستأثرون بالسلطة بالتخلي عنها لمصلحة عمليات بناء الدستور، لا سيما أنهم سيلجئون إلى السبل كافة للدفاع عنها.

إن بناء الدستور السوري استناداً إلى القرار 2254 يحتاج بادئ ذي بدء إلى تحقيق دفع حقيقي في عملية التسوية السياسية بين الأطراف، ودمجهم في رؤية دستورية تتركز مهماتها على حل مشكلات تقاسم الحكم والموارد في مراحل ما بعد الصراع، وهنا تبرز اللامركزية حاجةً لتذليل كثير من الصعوبات، وقد تشكل مناطق خفض التوتر بالتوازي مع جهد كبير من الضامنين مقدمه لتفعيل عمليات بناء الدستور كمقدمة للتسوية النهائية، وبما يحقق ديمقراطية مستدامة غير مرتبطة بالمدّة الزمنية التي يصمم فيها الدستور.

رابعاً- التحديات التي تواجه عمليات الربط:

قد تتأثر عملية بناء الدستور السوري بالقائمين على العمليات، كون هذه العملية عملية سياسية في بداية الأمر، وهنا تبرز حالة التضارب في المصالح بين الرؤى طويلة الأمد والرؤى قصيرة الأمد. لذلك فنحن بحاجة إلى العمل على تذليل الصعوبات التي يعانيها الطرفان التي ستكون على طريقة التنازل أو تقاسم الخسارات لمصلحة عمليات بناء الدستور. الأمر الذي يفرض وسائل مؤقتة وانتقالية، وحل إشكالية تضارب المصالح التي يفرضها الصراع. وبذلك تبدو مسالة مشاركة الأطراف التي شاركت في الصراع وتشارك فيه أمراً مهماً، بما فيها تلك الأطراف الخاسرة، أو التي لم تحقق نصراً عسكرياً واضحاً، للحيلولة دون عودة الصراع.

وهنا لا بد من التركيز على اتفاقية السلام المبرمة في آستانة، بين العناصر الحكومية وجماعات المعارضة والمسلحين وإشراكهم في عمليات بناء الدستور وتنفيذها على الأرض، مع الأخذ بالحسبان ألا يؤدى ذلك إلى هشاشة الدولة، بما يفرز نوعاً من تقاسم الغنائم على حساب الدولة والدستور المنشود، بهدف استرضاء الطرفين (المسلحين والحكومة) وهو ما سيلقى بآثار كارثية مستقبلية على استدامة عملية بناء الدستور، وسيؤدي إلى استئثار الطرفين بمصالحهم، واستفحال الفساد، وإساءة استعمال السلطة. وعلى هذا الأساس، تبدو عمليات بناء الدستور السوري، عملية دينامية تسير بالاتساق والتوازي مع سير العملية السياسية، بل تصبح أحد مولداتها العملية.

وعليه، لا يعنى التركيز على وقف العنف إنجازاً في معرض الربط بين الانتقال السياسي والعملية السياسية، إذا لم يكن ذلك مقروناً بالتأسيس لمؤسسات حكومية تخضع للمساءلة، ولا تتجاهل أدوار المواطنين في صوغ الدستور.

وحتى يجري تجاوز ذلك لا بد من اللجوء إلى خطوتين:

الخطوة الأولى: وضع خطة دستورية مؤقتة وانتقالية، يمكن من خلالها الاتفاق على خلق حالة الاستقرار مقدمةً للسلام.

الخطوة الثانية: العمل على وضع تصور للدستور النهائي، ووضع رؤية طويلة المدى لتصميم المؤسسات الدستورية وآلية عملها.

إن التغيير الدستوري قد يكون عملية قائمة على التصميم الإجمالي من خلال صوغ دستور جديد يحل محل الدستور القائم، عبر عملية متدرجة ومستمرة ومتواصلة تأخذ بعين الاعتبار الملاءمة والمواءمة بين الدستور الجديد والدستور القديم. لذلك لا بد من الأخذ بالحسبان الهواجس الراهنة في البيئة الراهنة، والنظر أكثر في العمليات طويلة الأمد، وترك الباب مفتوحاً للسياق الذي يحدد نطاق التغيير نظراً إلى الحاجة إلى مساومة عناصر النظام القديم، عن طريق مجموعات جديدة قد تظهر على مسرح الأحداث.

خامساً- أهمية التمييز بين عملية بناء الدستور ومضمون الدستور الجديد (نماذج تاريخية):

من الأهمية بمكان تأكيد أن عملية بناء الدستور في مراحل ما بعد الصراع، هي عملية تنطوي على مشاركة أطراف متعددة، أهمها الأطراف المحلية وبالأخص الوطنية منها، من دون إغفال أدوار الأطراف الخارجية سواء منها المستشارين ومقدمي المساعدة الخارجين، أم الأطراف الفاعلة بما فيها الدول، والمؤسسات الدولية، والمنظمات غير الحكومية، والمستشارين العاملين بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع الأطراف الدولية، على أن يقتصر دور الأطراف الخارجية على دفع الأطراف المحلية إلى العمل معاً في إطار عملية بناء الدستور(14).

وهنا لا بد من التمييز بين تأثير الأطراف الخارجية في العملية الدستورية، والتأثير في مضمون الدستور، إذ يعني مضمون الدستور الأحكام الموجودة فيه، بينما تشير العملية الدستورية إلى الخطوات التي يجري اتباعها في عملية بناء الدستور التي تتعلق بآليات التفاوض والصوغ والتنفيذ، مع التأكيد أن هذه العملية هي عملية معقدة، لكنها تصب في نهاية المطاف في إحداث تحولات أوسع نحو السلام والديمقراطية. لذلك يصبح من الملائم التركيز على تنفيذ دستور جديد بالتوازي مع بناء قدرات المؤسسات الجديدة الديمقراطية(15).

– نماذج تاريخية:

– كينيا 1997: جرى تغيير دستوري شامل، أعقبه وضع مسودة دستور جديد، إلا أن الأمور لم تستقر وأهمها أحداث 2008، لذلك جرى اللجوء إلى وضع أجندة لمنع العنف، وشُكِّلَت لجنة من الخبراء لتسوية الخلافات القائمة، واقترحت اللجنة الدستورية نظاماً شبه رئاسي وتبديل الاقتراح بنظام برلماني، إلا أنها تعهدت بلامركزية مطلقة للمؤسسات والخدمات، ثم أقر الدستور بموجب استفتاء 2010.

– أفغانستان: 2003 – 2004 جرى الاتفاق على الدعم المبدئي للنظام شبه الرئاسي وصولاً إلى تفضيل النظام الرئاسي في نهاية الأمر، على الرغم من أن بعضهم ظن أنّ النظام البرلماني سيكون قاعدة أقوى لإقامة حكم طويل الأمد، ثم جرى الاتفاق على تدشين الدستور في أن يكون خلال المدّة الراهنة، مركزاً على بناء الدولة وضروريات تأسيس الحكومة تعمل على محاربة الإرهاب ثم أشاروا إلى إعادة احتمال النظر بعد مرور عشر سنوات، في ما إذا كانت الأوضاع تسمح باختيار نظام برلماني.

– جنوب أفريقيا: استغرق نظام التغيير ستة أعوام 1990 – 1996 من خلال اتفاقيتين أنتجتا دستوراً مؤقتاً وحكومة وحدة وطنية.

– نيبال 2007: إذ وُضع دستور مؤقت بعد اثني عشر عاماً من الاقتتال، أفضى إلى تغيير هيكل الحكومة من حكومة منفردة إلى جمهورية فدرالية، واستطاعت الجمعية التأسيسية المنتخبة صوغ دستور جديد عكس هذا التغيير من خلال أربعة وثلاثين بنداً، يلتزم بها الدستور النهائي.

– كمبوديا: صدر دستور كمبوديا 1993 استناداً إلى اتفاقيات الأطراف الدولية والمحلية التي تمخض عنها اتفاقية باريس 1991، والقرار 745 الصادر عن مجلس الأمن الدولي وتقرير مكتب الأمين العام للأمم المتحدة التي حددت الشروط والعمليات الخاصة، بما فيها السلطة الانتقالية لإجراء الانتخابات والتمويل الدولي للقوات الدولية والشرطة والموظفين المدنيين، والتكاليف المالية الأخرى المتعلقة بكل ماله صلة ببناء الدستور. وقد شكل الدستور الكمبودي تتويجاً للتعاون بين العمليات الدولية ونضالات الشعب الكمبودي، فصدر عن جمعية تأسيسية منتخبة بمساهمة دولية، كان من أهمها مساهمة المحاميين الفرنسيين.

وعلى هذا الأساس، يبدو دور الأمم المتحدة في عملية بناء الدستور السوري المنشود، يتمثل في دعم الامتثال للمعايير الدولية حول حقوق الإنسان التي لها سيكون لها تأثيرات في كل من العملية والمضمون.

خاتمة

لقد أثبتت التجارب التاريخية قدرة عمليات بناء الدستور في تفكيك حالة الصراع والانقسام، كونها عملية تبدأ بفهم القواسم المشتركة التي تحقق مصالح الأطراف المتصارعة، ل اسيما المحلية منها. ما يؤمن خطوة يمكن البناء عليها نحو خطوات لاحقة، بالاستفادة من فهم ماهية بناء الدساتير التي تقوم على عملية تدريجية تبدأ من الأسفل إلى الأعلى، من دون أن يعني ذلك صوغ الدستور، بقدر ما هي عملية طويلة، تتضمن البدء بإنشاء المؤسسات العامة، والإجراءات والقواعد التي يقوم عليها وضع الدستور المنشود لحل الصراع وإحلال السلام، وتطبيق العدالة الانتقالية، ما يزيد التحديات لإرساء ثقافة دستورية في ظل حالة الانقسام العميق.

وعلى هذا الأساس لا يمكن الحديث عن عمليات الربط بين ملف الانتقال السياسي والسلة الدستورية استناداً إلى القرار 2254، من دون الإجابة عن كثير من الأسئلة، في مقدمتها:

كيف علينا التعامل مع الماضي، وكيف يمكننا التعايش مع الاستبداد ومرتكبي الجرائم، وكيف يمكن التصالح، بما يؤمن إيجاد إجابات واضحة لأولئك الذين عانوا ويلات الصراع، وإيجاد الوسائل الكفيلة لكشف الحقائق التي رافقت الصراع والتفريق بين موظفي المؤسسات الحكومية من أغلبية صامتة اضطلعت بمهمات تسيير المؤسسات الحكومية وبين أولئك المجرمين، ما يحتاج إلى رؤية حقيقية لقراءة بنية المجتمع السوري وتأهيله بشكل كامل، لا سيما أن تداعيات الحالة السورية، تشير إلى ألا منتصر في نهاية المطاف، ما يضع البلاد أمام احتمالين لا ثالث لهما. فإما الاعتراف بصيغة لا غالب ولا مغلوب. وإما استمرار لصراع على جثة ميت، وليس أصعب من صراع تكون فيه الاحتمالات الأسوأ جميعها معروفة سلفاً.

المراجع

  1. 1. انظر: قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 الصادر في 18/12/ 2015، البندين 2و3.
  2. للاستفاضة انظر: اندريه هوريو، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، (عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 1977)، ص 22 وما بعدها.
  3. انظر: د. صلاح الدين فوزي، المحيط في النظم السياسية والقانون الدستوري، (بيروت: دار النهضة العربية1999) ص 516.
  4. – Jon D.Lee, The Political, System of U.S.A,(London: Faber ,2ed. 1975),pp. 127.
  5. انظر: د. محمد خالد الشاكر، صناعة القرار الدولي- جدلية العلاقة بين واقعية العلاقات الدولية ومبادئ القانون الدولي العام- دراسة تأصيلية، إصدارات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق2011، ص 222
  6. انظر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، البند 5.
  7. انظر: ديباجة القرار 2254.
  8. انظر: القرار 2254 البند 4. بنصيه العربي والإنكليزي.
  9. للاستفاضة انظر: Wolfrum, Rudiger , International Administration in Post- conflict Situutions

by United Nations and other international actors, Max Planck yearbook of Unaited

Nations Law 9 ,2005, p 649.

  1. المرجع ذاته.
  2. للاستفاضة انظر: حسن إبراهيم أحمد، الطريق إلى الديمقراطية، العدد 3، (بيروت: مجلة الطريق، إصدارات الحزب الشيوعي اللبناني) 1996، ص31- 32.
  3. انظر: جان حبش، قراءة في الدستور السوري، مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، على الرابط:

http://hem.bredband.net/cdpps/repdcc.jan.htm

  1. المرجع ذاته.
  2. انظر: بناء الدستور في مراحل ما بعد الصراع: الدعم الخارجي لعميلة سيادية، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، 2011. على الرابط:

http://cdn2.constitutionnet.org/vl/item/wrqt-syast-bna-aldstwr-fy-mrahl-ma-bd-alsra-

aldm-alkharjy-lmlyt-syadyt-almwsst-aldwlyt-0

  1. المرجع ذاته.