مسيرة رجل سوري من حوران

وُلد أحمد الأسود في حيّ الكرك بمدينة درعا القديمة عام 1908، لأب اسمه محمد من سكّان مدينة درعا، ولأمّ اسمها كلثوم الغبشة من مواليد قرية المزّة جنوب العاصمة السورية دمشق. كان والده محمد الابن الذكر الوحيد على خمس بنات لوالديه مصطفى الأسود وخديجة مصطفى الهبج. كان جدّه مصطفى جزّاراً يعمل في محلّ قصابة مستأجر قرب الجامع العمري في درعا البلد. أمّا والده محمد فقد عمل في قيادة وحراسة قوافل الحج، حيث كان يتمتّع ببنية جسدية قويّة وبشجاعة كبيرة، جعلت منه متمرّساً في مواجهة مخاطر الطريق الطويل إلى مكّة المكرمة.

درس أحمد الابتدائية في مدرسة الطائي بدرعا، ثم أكمل دراسته في مكتب عنبر وفي مدرسة جودت الهاشمي، وعندما حصل على البكالوريا الأولى سجّل في كليّة الحقوق بالجامعة السورية. وأثناء السنة الدراسية الأولى في كلية الحقوق أكمل البكالوريا الثانية، وقام بذلك بناءً على طلب من رئيس الجامعة السورية آنذاك المرحوم الدكتور رضا سعيد الأيتوني (1874- 1946)، فقد خاض الدكتور رضا معركة شرسة مع حكومة الانتداب الفرنسي، التي كانت تحاول إغلاق كلية الطب بحجّة نقص عدد الطلاب ولوجود كليات مماثلة في بيروت. بعد الحصول على البكالوريا الثانية ونجاحه في السنة الأولى للحقوق، نقل قيوده إلى كلية الطب البشري، حيث كان يمنع على الطلاب آنذاك ازدواجية الدراسة بين الكليّتين الوحيدتين في الجامعة السورية. تخرّج أحمد طبيباً في دفعة عام 1934، وكان رقمه 21 في دفعته.

في نفس سنة التخرّج تطوّع أحمد في الجيش العراقي، وخدم في بغداد مدّة عامين برتبة ملازم أول طبيب. بعد استقالته من الجيش العراقي عاد إلى مدينة درعا مسقط راسه، وافتتح هناك عيادته في منطقة المحطّة خلف مقهى الكمال، وقد عمل بها حتى آخر أيام حياته.

عندما حضر المندوب السامي الفرنسي إلى مدينة إزرع بداية عام 1936 ليشرح مزايا تقسيم سوريا إلى دولة جبل الدروز ودولة جبل العلويين (انضمتا رسمياً إلى الدولة السورية الحالية عام 1936)، ألقى الدكتور أحمد الأسود على الجماهير المحتشدة خطاباً وطنياً هاجم فيه الانتداب الفرنسي وحكومته، وكان حاضراً ذاك اللقاء وقتها كلّ من الأستاذ موفق الشرع (مؤسس النادي الثقافي الغساني والمعهد القومي العربي وفرقة الكشّافة السورية في مدينة درعا) والمحاميين عبده الخليلي وإسماعيل أبو نبوت والمحامي (لاحقاً) إبراهيم رزق أبازيد.

لوحق إثر ذلك من قبل قوات الاحتلال الفرنسي، وتمّ اعتقاله من منزله المستأجر قريباً من محولة الكهرباء آنذاك (بيت من الحجر البازلت لا يزال قائماً حتى اليوم في الطريق الرئيسي القادم من البلد إلى المحطة). وتم إيداعه سجن الميّة وميّة في لبنان، ثم نُقل إلى سجن تدمر في البادية السورية، وهناك حُكم عليه بالإعدام من قبل محكمة عسكرية فرنسية.

بمساعدة شرطي سوري، استطاع الدكتور أحمد الهرب إلى العراق مشياً على الأقدام عبر البادية السورية، وكاد أن يلقى حتفه هناك لولا عناية الرحمن والعثور عليه تائهاً من قبل أحد أفراد قبيلة عربية على مشارف الأنبار. في العراق استطاع الحصول من أرشيف وزارة الدفاع على نسخة مصدّقة من شهاداته العلمية، باعتباره سبق وخدم لمدة عامين في الجيش العراقي. ومن هناك انتقل إلى المملكة العربية السعودية، حيث عمل في مشفى مكّة المكرّمة وفي مشفى الطائف العسكري. وبقي في السعودية حتى استقلال سوريا وجلاء المستعمر الفرنسي، وقد عاد إليها في بداية العام 1947 وافتتح عيادته هناك مجدداً.

كان الدكتور أحمد من أعضاء حزب الشعب بقيادة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، ثم انتمى إلى حزب التحرير العربي بقيادة أديب الشيشكلي، وقد تمّ تكليفه من قبل صبري العسلي وزير الداخلية في حكومة سعد الله الجابري بتشكيل ميليشيا شعبية مسلّحة لمواجهة الصهاينة في الحمّة السورية ريثما تصل قوات الجيش السوري.

في عام 1949 اكتشف الدكتور أحمد وباء الكوليرا الذي انتشر وقتها في قرية محجّة في محافظة درعا، وقد فرض الحجر الصحي عليها رغم تخبّط وزارة الصحة السورية وترددها في ذلك.

باعتباره عضوٌ في حزب التحرير العربي، خاض عام 1953 انتخابات البرلمان السوري، ونجح من بين 83 آخرين من الحزب وأصبح نائباً ممثلاً عن مدينة درعا. أدّى خدمة العلم الإلزامية لمدّة ستة أشهر في مدينة إزرع زمن الوحدة مع مصر. ورغم أنّه كان ناصريّ الهوى، إلا أنّ الدكتور أحمد ترك السياسة نهائياً بعد الوحدة، فقد كان يعتبرها عملاً متسرعاً قام به الضباط السوريين للتخلّص من منافسيهم السياسيين المدنيين.

انتُخب في العام 1957 عضواً في المجلس البلدي لمدينة درعا، وبعد التأميم قام وزملاؤه بإلحاق شركة الكهرباء – التي كانت مملوكة للقاريّ – بالملس البلدي. أسّس مع آخرين عام 1958 -1959 جمعية كفالة الأيتام في مدينة درعا.

رُزق الدكتور أحمد من زوجته تفّاحة الفالوجي بثمانية أولاد ذكور وابنتان هم على التوالي:

  • فوزيّة، التي عادت مع والدها من السعودية وهي في سنّ السادسة عشر لا تعرف القراءة والكتابة بسبب عدم السماح بتعلّم البنات هناك في ذلك الوقت في المملكة، لكنها دخلت المدرسة وواظبت عليها حتى تخرّجت من دار المعلّمات وأصبحت مربية أجيال ومعلّمة عملت عقوداً في مجال التربية.
  • المرحوم الترجمان المحلّف محمد فائز (كان مديراً للتربية ونقيباً للمعلمين وساهم في تأسيس عدد من نقابات المعلمين في الدول العربية إحداها في السودان).
  • المرحوم خالد، وعمل ممرضاً مع والده في عيادته.
  • المرحوم الدكتور في الفيزياء النووية عدنان.
  • المرحوم غسان، وكان يعمل في تجارة السيارات.
  • الطبيب الجراح عصام، وكان أحد متطوعي منظمة التحرير الفلسطينية وعمل فيها طبيباً بعد تخرجه، ويقيم الآن في مدينة درعا.
  • الطبيب الجرّاح عصام، وهو مستشار في أحد مشافي المملكة العربية السعودية.
  • رياض، وكان يعمل مديراً إدارياً لمشفى الشرق قبل سفره على الولايات المتحدة الأمريكية.
  • بشار، طبيب بشري اختصاصي بطب الأطفال، ويعمل في إحدى مشافي الولايات المتحدة الأمريكية.
  • غادة، وهي تقيم الآن في الولايات المتحدة الأمريكية.

كان الدكتور أحمد معطاءً لا يتوانى عن مساعدة الفقراء وعلاجهم مجاناً، بل كان يعطيهم الأدوية من عيادته، وقد ساعد كثيراً من أبناء أخوته في استكمال تحصيلهم العلمي حتى التخرّج من الجامعات.

انتقل الدكتور أحمد إلى رحمة الله تعالى في عام 1983 بعد مسيرة حافلة بالعطاء والبذل في سبيل الوطن وفي سبيل أبناء محافظته وأفراد عائلته.

 

في 19/7/2021

المحامي حسان الأسود